[ 8 ] برهان آخرُ أقامه الطبيعيّون أيضاً من طريق النفس الإنسانيّة ، تقريره أنّ النفس الإنسانيّة مجرّدة عن المادّة ذاتاً ، حادثةٌ بما هي نفس بحدوث البدن ، لامتناع التمايز بدون الأبدان واستحالة التناسخ ، كما بيّن في محلّه ، فهي ممكنة مفتقرة إلى علّة غير جسم ولا جسمانيّة ، أمّا عدم كونها جسماً فلأنّها لو كانت جسماً كان كلّ جسم ذا نفس وليس كذلك ، وأمّا عدم كونها جسمانيّةً فلأنّها لو كانت جسمانيّة ، سواء كانت نفساً اخرى أو صورة جسميّة أو عرضاً جسمانيّاً ، كان تأثيرها بتوسّط الوضع ، ولا وضع للنفس مع كونها مجرّدة . على أنّ النفس لتجرّدها أقوى تجوهراً وأشرف وجوداً من كلّ جسم وجسمانيّ ، ولا معنى لعلّيّة الأضعف الأخسّ للأقوى الأشرف .
[ 9 ] فالسبب الموجِد للنفس أمرٌ وراءَ عالم الطبيعة ، وهو الواجب تعالى بلا واسطة أو بواسطة علل مترتّبة تنتهي إليه .
[ 10 ] برهان آخر للمتكلّمين من طريق الحدوث . تقريره أنّ الأجسام لاتخلو عن الحركة والسكون ، وهما حادثان ، و ما لايخلو عن الحوادث فهو حادث . فالأجسام كلّها حادثة ، وكلّ حادثٍ مفتقرٌ إلى مُحدث ، فمحدثها أمرٌ غيرُ جسم ولا جسمانيّ ، وهو الواجب تعالى ، دفعاً للدور والتسلسل .
[ 11 ] والحجّة غير تامّة ، فإنّ المقدّمة القائلة : « إنّ ما لايخلو عن الحوادث فهو حادث » لابيّنة ولا مَبيّنة ، وتغيُّر أعراض الجوهر عندهم غير ملازم لتغيّر الجوهر الذي هو موضوعها . نعم لو بُني على الحركة الجوهريّة تمّت المقدّمة ، ونجحت الحجّة . وهذه الحجّة كما ترى - كالحجج الثلاث السابقة - مبنيّةٌ على تناهي العلل ، وانتهائها إلى علّة غير معلولة هو الواجب تعالى .
ترجمه و شرح نهاية الحكمة ( فارسى ) — صفحة 214
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢١٤