تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المخصص — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
أهاجيتُم حسّانَ عند ذكائه * فغيّ لأولاد الحِماس طويل فهذا دعاء من حسّان عليهم لأنه هجا رهْطَ النّجاشي وهو من بني الحِماس ورفع كما ترفع رحْمة الله عليه ومما أجري من الأسماء مُجرى المصادر في الدعاء تُرباً وجَندلاً فإن أدخَلْت لك فقلت تُرْباً لك فكذلك أي أنك تنصبه وهذا الحيّز يُدعى فيه بجواهر لا أفعال لها كما قدّمْت من التُرْب والجنْدَل وهما نوعان من جنس الجوهر ومن ذلك قولهم فاها لِفيك وفاهاً إنما هو اسم للفَم وليس في شيء من ذلك فعل يصير مصدراً له ولكنهم أجروه في الدعاء مجرى المصادر التي قيل هذا الباب وقدّروا الفعل الناصب كأنه قال ألزمك الله أو أطعمَك الله تُراباً وجندَلاً وما أشبه هذا من الفعل واختُزِل الفعل عند سيبويه غيره من النحويين لأنه جُعِل بدَلاً من اللفظ بقولك ترِبَتْ يَداك وجُندِلْت فعبر عنه بفعل قد صُرِّف من التراب وقد حكى سيبويه في هذه الجواهر الرّفْع والرفع عنده فيها أقوى منه في المصادر قال الشاعر : لقد ألبَ الواشون ألباً لِبَينِهم * فتُرْب لأفواه الوُشاة وجندَل فتُرب مبتدأ والخبر في المجرور وفيه معنى الدعاء كما أن في قوله سلام عليكم معنى الدعاء وإن رُفع فأما قولهم فاها لفيك فإنما يريد فالداهية فجعل فاها منصوباً بمنزلة تُرْباً كأنه قال تُرباً لفيك وإنما يخصون في مثل هذا الفم لأن أكثر المتالِف فيما يأكله الإنسان أو يشربه من سُمّ وغيره وصار فاها بدلاً من اللفظ بقولك دَهاك الله وإنما جعله النحويون بدلاً من هذا تقريباً لأن فما الداهية في التقدير فذُكر الفعل المُصرّف من الداهية والفعل المقدّر في هذا ونحوه ليس بشيء معين لا يُتجاوز وأنشد : فقلت له فاها لِفيك فإنّها * قَلوصُ امرئٍ قاريكَ ما أنت حاذِرُهْ والدليل على أنه يريد بها الداهية ما أنشد سيبويه : وداهية من دواهي المنو * نِ يرهبُها الناس لا فالها ويروى : يحسبها الناس . فلا فالها في موضع خبر المَحسَبة كما تقول حسِبت زيداً لا غُلام له وإنما ذكر هذا تعظيماً لأمرها أي لا يدري الناس كيف يأتونها ويتوصلون إلى
المخصص — صفحة 185 | ابن سيده / لجنة إحياء التراث العربى