الفصل السادس : في مفيض هذه الصور العلمية
أمّا الصورُ العقليّةُ الكليّةُ : فانّ مفيضَها ، المخرجَ للإنسانِ مثلًا من القوّةِ إلى الفعلِ ، عقلٌ مفارقٌ للمادّةِ ، عندَه جيمعُ الصورِ العقليّةِ الكليّةِ ؛ و ذلك : أنّك قد عرفتَ أنّ هذه الصورَ ، بما أنّها علمٌ ، مجرّدةٌ عن المادّةِ ؛ على : أنّها كليّةٌ ، تقبلُ الاشتراكَ بينَ كثيرينَ ، و كلُ أمرٍ حالٍّ في المادّةِ واحدٌ شخصيٌ لايقبلُ الاشتراك ، فالصورةُ العقليّةُ مجردّةٌ عن المادّةِ ، ففاعلُها المفيضُ لها أمرٌ مجرّدٌ عن المادّةِ ، لأنَّ الأمرَ المادّيَ ضعيفُ الوجودِ ، فلايصدرُ عنه ما هو أقوى منه وجوداً ؛ على : أنّ فعلَ المادّةِ مشروطٌ بالوضعِ الخاصِّ ، و لا وضعَ للمجرّد .
وليس هذا المفيضُ المجرّدُ هو النفسُ العاقلةُ لهذه الصورِ المجرّدةِ العلميّةِ ، لأنّها بعدُ بالقوّةِ بالنسبةِ إليها ، و حيثيّتُها حيثيّةُ القبولِ دونَ الفعلِ ، و من المحالِ أن يُخرجَ ما بالقوّةِ نفسَه من القوّةِ إلى الفعلِ .
فمفيضُ الصورةِ العقليّةِ جوهرٌ عقليٌ مفارقٌ للمادّةِ ، فيه جميعُ الصورِ العقليّةِ الكليّةِ على نحوِ ما تقدَّمَ من العلمِ الاجمالىِ العقليِ ، تتحدُ معه النفسُ المستعدةُ للتعقلِ على قدرِ استعدادِها الخاصِّ ، فيفيضُ عليها ما تستعدُ له من الصورِ العقليّةِ ، و هو المطلوبُ .