وإمّا لأنّ المشارطة في مثل هذه الأمور لا تليق بشأن كثير من
الأشخاص لأن المماكسة فيها خلاف المروّة ، والمسامحة فيها قد لا تكون
مصلحة لكثرة طمع هذه الأصناف ، فأمروا بترك المشارطة والإقدام على
العمل بأقلّ ما يعطى وقبوله . وترك مطالبة الزائد مستحب للعامل وإن
وجب على من عمل له إيفاء تمام ما يستحقه من أجرة المثل ، فهو مكلّف
وجوبا بالإيفاء ، والعامل مكلف ندباً بالسكوت وترك المطالبة خصوصاً
على ما يعتاده هؤلاء من سوء الاقتضاء .
شرح
التسامح في دليلها كما قيل به في المستحبات .
لا يقال : إن الصدوق " ره " أسند ذلك إلى أبي عبد اللّه ( عليه السلام ) بنحو الجزم ، وهذا
يدلّ على ثبوت الخبر عنده واعتماده عليه .
فإنّه يقال : ثبوت الخبر عنده لا يكفي في اعتمادنا عليه ما لم نطّلع على
الوسائط ولم نحرز صحتها .
وثانياً : أنّ عمل المشاطة بعد ما ثبت حلّيتها وكونها عملا محترماً لا وجه لعدم
جواز تعيين الأجرة لها فيجب توجيه الرواية . والمصنّف احتمل فيها ثلاثة احتمالات :
الأوّل : أنّ ما يعطى للماشطة والحجّام والختّان وأمثالهم لا ينقص غالباً عن
أجرة المثل ولكنهم لشدّة حرصهم يتوقعون غالباً أزيد مما يستحقون ، ولو مُنعوا
عن ذلك لبادروا إلى هتك عرض الطرف ولا يخلو هذا عن شبهة - إذ المأخوذ
حياءً كالمأخوذ غصباً - فلأجل ذلك منعوا عن المشارطة ، فلا ينافي ذلك جواز
مطالبتهم لحقّهم وامتناعهم عن قبول ما أعطوا إذا اتفق كونه أقلّ من أجرة مثل
أعمالهم .
الثاني : أنّ المشارطة والمماكسة في مثل هذه الأعمال الخسيسة النازلة لا
تليق بشأن أهل المروّة وإن وجب على من عمل له إيفاء حقهم ، فهو مكلّف وجوباً
بإيفاء حقوقهم ، وهم مكلّفون ندباً بالسكوت وترك المطالبة .