شرح
الفساد - كما قيل - أو الصحة - كما عن أبي حنيفة وتلميذه محمد بن الحسن
الشيباني - أو لا تقتضي شيئاً منهما وإنّما يعرف الفساد أو الصحة من الخارج ؟ في
المسألة وجوه .
ربما يقال باقتضائها الفساد ، إمّا لأنّ صحة المعاملات تكون بإمضاء الشارع لها
وحكمه بوجوب الوفاء بها ، ومن المستبعد جدّاً اعتبار الشارع وإمضاؤه لما
يكون حراماً ومبغوضاً له ، وإمّا لأنّ المهمّ عند الشارع والعقلاء في باب
المعاملات الآثار العملية المترتبة عليها ، لا نفس الأسباب بما هي ألفاظ ، ولا نفس
المسبّبات الاعتبارية كالملكية الاعتبارية المنشأة مثلا . وعلى هذا فالنهي عنها
في الحقيقة نهي عن ترتيب الآثار المترقبة منها عليها ، ومقتضى ذلك فسادها ، إذ
لا معنى لصحة المعاملة واعتبار المسبّب مع حرمة ترتيب الآثار عليها ، فتدبّر .
وأمّا القائل باقتضائها الصحة فربّما يستدلّ له بأنّ الظاهر من النهي المتعلق بها
وحرمتها حرمة المسببات أو التسبّب بالأسباب إليها ، ومقتضى ذلك صحتها
ووقوعها باعتبارها ، إذ متعلق التكليف يجب أن يكون مقدوراً للمكلّف ، وعلى
فرض فسادها وعدم وقوعها قهراً عليه لا تكون مقدورة . نعم لو تعلقت الحرمة
بنفس الأسباب لم تقتض الصحة ولا الفساد . هذا .
والأولى أن يقال - كما مرّت الإشارة إليه - : إنّ النهي في هذه الموارد ظاهر في
الإرشاد إلى المانعية والفساد ، بتقريب أنّ المتبادر من الأوامر والنواهي الواردة
من الشارع الحكيم المتعلقة بالعبادات المركبة المخترعة أو بالمعاملات بنحو
خاصّ وكيفية خاصّة ، كونها للإرشاد إلى جزئية الشيء الخاصّ أو شرطيّته أو
مانعيته ، وليست بصدد بيان الحكم التكليفي ، وهذا نظير أمر المتخصّص في
الأدوية والمعاجين بجعل شيء خاصّ في معجون خاصّ أو نهيه عن جعله فيه ،
حيث إنّ المتبادر من الأمر في مثله كون متعلق الأمر جزء أو شرطاً ، ومن النهي
كونه مانعاً ومضرّاً ، فلا وجه لحمل النهي على الحرمة التكليفية حتّى يبحث عن
اقتضائها الفساد أم لا .