شرح
والحصر فيهما وقع بلحاظ ما تعارف أكله من المحرّمات فلا ينتقض بمثل
الكلب والسباع ونحوها لعدم تعارف أكلها في عصر نزول الآية ، وبهذا اللحاظ
أيضاً ذكر اللحم في الخنزير .
وبالجملة فالحصر فيهما إضافي . نعم لو قيل بكونه حقيقيّاً كما هو الظاهر منه لولا
القرينة جاز الاستدلال به لحلّية كلّ ما شكّ في حلّيته من أنواع الحيوان بالشبهة
الحكميّة ، نظير ما يسمّى في عصرنا : " كُنغر " وتعارف استعمال لحمه في بعض البلاد
الإسلامية على ما قيل ، وقالوا إنّه يتغذى بالنباتات ولا يكون من السّباع . وإنّما استثني
الكلب والسباع والمسوخ بالأدلّة ، فتدبّر . هذا .
وفي الأنعام ورد قوله - تعالى - : ( قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّماً على طاعم
يطعمه إلاّ أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير ) ( 1 ) فذكر فيها خصوص
الطعام .
وورد في الآية الثالثة من المائدة قوله : ( حرّمت عليكم الميتة والدّم ولحم
الخنزير ) .
وفي الرابعة منها قوله : ( يسئلونك ماذا أحلّ لهم قل أحلّ لكم الطيبات وما علمتم
من الجوارح مكلّبين تعلّمونهنّ ممّا علّمكم اللّه فكلوا ممّا أمسكن عليكم . . . ) .
وفي الخامسة منها قوله : ( اليوم أحلّ لكم الطيّبات وطعام الذين أوتوا الكتاب
حلّ لكم وطعامكم حلّ لهم ) .
واستثنى في السّور الأربع المضطر إليها ، وقيّده في المائدة بالمخمصة أي المجاعة .
فجميع ذلك قرينة على إرادة خصوص الأكل من التحريم الواقع في الآيات ولا أقلّ
من الاحتمال فيبطل الاستدلال بها لحرمة جميع الانتفاعات مع وجود القرينة المتّصلة .
وقد شاع في تلك الأعصار أكل الميتات والدم ولحم الخنزير ، فأراد اللّه - تعالى -
الزجر عنها . وحصر الحلال في المذكّى .
هامش
1 - سورة الأنعام ( 6 ) ، الآية 145 .