شرح
أن الكتابة لا تقضي إلا تعدية المادة إلى المكتوب ، فيقال : « كتب الحديث » من دون تعديتها إلى المكتوب إليه بخلاف كاتبه فإنه يدل على تعديتها إلى الغير ، ولو أريد إفادة هذا المعنى في المجرد لقيل : « كتب إليه » فلا فرق بين كاتبه وكتب إليه من هذه الجهة لا أن يكون مفاد الأول كتابة الغير إليه أيضا .
نعم ، هيئة الفاعل تدل على نسبة متقومة بالطرفين كالمعاني الإضافية المتقومة بهما من الأبوة والبنوة ونحوهما ، فمعنى المزارعة في المقام هو الفعل من حيث التعدية إلى الغير ، سواء كان للغير دخل فيها مباشرة أو تسبيبا بأي نحو كان ، كما أن الفاعل المزارع أيضا كذلك فلا تعتبر فيه المباشرة وإن كان الغالب فيه المباشرة ، وقد تعرضنا لبعض ذلك في أول كتاب المضاربة أيضا .
ثمَّ أن المزارعة كانت من هبوط آدم عليه السّلام وستكون إلى انقراض العالم .
لأن بها قوام حياة الإنسان بل الحيوان وبها يقوم نظام المعاش والمعاد ، وهي أول مبادي النسل والحياة وقد اهتم اللَّه تعالى واعتنى بالزرع في القرآن العظيم بما لم يهتم ولم يعتن بشيء من مثله فنسب طبيعي الزرع إلى ذاته الأقدس وافتخر به - ولا يفتخر إلا بما هو راجح - قال تعالى : * ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً ) * ( 1 )( 1 ) سورة السجدة : 17 .، وقال تعالى : * ( أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ) * ( 2 )( 2 ) سورة الواقعة : 64 .، وقال تعالى : * ( الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ ) * ( 3 )( 3 ) سورة النمل : 25 .، والخبء بإطلاقه يشمل الزرع ، كما سيأتي - والمعادن والكنوز .
والمزارعين أعرف بها من الفقهاء - خصوصا في هذه الأزمان التي جعلت المزارعة من الفنون التي يهتمون بتعلمها وتعليمها ، ويبحثون في جميع جهاتها ونواحيها - ويمكن بحسب التحليل أن تكون على أقسام :