تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
شرح
الوجدان غنى عن إقامة البرهان ، ويمكن أن يقال : إنّ الدعاء في الجملة فطريّ لكلّ محتاج إلى شيء مع اعتقاده الإجمالي بقدرة اللَّه على كلّ شيء . الثالث : أجلّ المقامات الممكنة للإنسانية مقام العبودية الحقة الواقعية الذي أتى به الأنبياء عليهم السلام لأممهم لا سيّما خاتمهم صلَّى اللَّه عليه وآله الذي شرحه وبسطه بما أمكنه من الشرح والتفصيل فقد ربط الإنسان بربه وخالقه ومعبوده ربطا منظما محكما متقنا ، والدعاء من إحدى طرق ذلك الربط ، لأنّ له أهمية في توجيه النفس إلى المبدء الغنيّ المطلق ، ونحو انقطاع إليه تعالى ، وهذا التوجه والانقطاع من طرق استكمال النفس في المعنويات ، بل من أهمّها ، ولكن له مراتب متفاوتة حسب مراتب انقطاعات الدّاعين وتوجهاتهم . الرابع : لا ريب في أنّ لكلّ حادث من الحوادث أسباب خاصة ، ولا يتصوّر حدوث حادث بلا سبب ، والدعاء من جملة أسباب حدوث المطلوب ، جعله اللَّه تعالى سببا عاما تسهيلا على عباده ، وامتنانا عليهم ، ونسبته إلى المطلوب نسبة الدواء إلى الشفاء بأنواعه الشتى ، فكما أنّ لكلّ داء دواء خاص ، وهناك دوام عام ينفع لجملة كثيرة من الأدواء ، كذلك الدعاء أيضا ، وكما أنّ الدواء مقتض ويحتاج إلى صيرورته علَّة تامة منحصرة إلى انضمام جهات أخرى يكون الدعاء هكذا أيضا ، وصيرورته علَّة تامة يحتاج إلى جملة أمور ذكر بعضها في الأخبار ولم تذكر جملة أخرى منها لإمكان كونها من الأسرار التي لا يمكن أن يطلع عليها غير علام الغيوب ، والحكيم العليم لا بد وأن يستجيب الدعاء على وفق الحكمة الواقعية لا على وفق ما يقتضيه الداعي وإن كان على خلاف الحكمة ، فإنّه نقص بالنسبة إليه تعالى . الخامس : الدعوات الصادرة عن المعصومين عليهم السلام مشتملة على أعظم المعارف الربوبية التي حرص الأئمة عليهم السلام على بيانها بأسهل بيان وهذا أحسن تدبير في إشاعة المعارف الحقة ، وبيانها للناس مقتبس من تدبير القرآن فتشتمل على التوحيد ونفي الشرك مطلقا ، وبيان الصفات الثبوتية والسلبية والأسماء الحسنى وما يتفرّع منها ، والقضاء والقدر إلى غير ذلك من الربوبيات ، ولعلّ هذا من إحدى جهات فضل الدعاء على سائر المندوبات ، كفضل علم