بفالج ، وقد تناثر لحمه من الجذام وهو يقول : الحمد للَّه الَّذي عافاني ممّا ابتلى به كثيرا من خلقه ، فقال له عيسى عليه السّلام : يا هذا أيّ شيء من البلاء تراه مصروفا عنك فقال : يا روح اللَّه أنا خير ممّن لم يجعل اللَّه في قلبه ما جعل في قلبي من معرفته ، فقال له : صدقت هات يدك فناوله يده فإذا هو أحسن الناس وجها وأفضلهم هيئة قد أذهب اللَّه عنه ما كان به فصحب عيسى عليه السّلام وتعبّد معه .
أقول : ثمّ ذكر أبو حامد حكايات وأقوالا أخر من هذا القبيل ثمّ قال :
فإذا تأمّلت هذه الحكايات عرفت قطعا أنّ الرّضا بما يخالف الهوى ليس مستحيلا بل هو مقام عظيم من مقامات أهل الدّين ومهما كان ذلك ممكنا في حبّ الخلق وحظوظهم كان ممكنا في حبّ اللَّه عزّ وجلّ وحظوظ الآخرة قطعا وإمكانه من وجهين أحدهما الرّضا بالألم لما يتوقّع من الثواب الموعود كالرّضا بالحجامة وشرب الدّواء انتظارا للشفاء ، والثاني الرّضا به لا لحظَّ وراءه بل لكونه ، مراد المحبوب ورضى له فقد يغلب الحبّ بحيث ينغمر مراد المحبّ في مراد المحبوب فيكون ألذّ الأشياء عنده سرور قلب محبوبه ورضاه ونفوذ إرادته ولو في هلاك روحه كما قيل :
« فما لجرح إذا أرضاكم ألم » وهذا ممكن مع الإحساس بالألم وقد يستولى الحبّ بحيث يدهش عن إدراك الألم فالقياس والتجربة والمشاهدة دالَّة على وجوده فلا ينبغي أن ينكره من فقده من نفسه لأنّه إنّما فقده لفقد سببه وهو فرط حبّه ومن لم يذق طعم الحبّ لم يعرف عجائبه فللمحبّين عجائب أعظم ممّا وصفناه فقد روي عن عمرو بن الحارث الرّافعي قال : كنت في مجلس بالرّقّة عند صديق لي وكان معنا فتى يتعشّق جارية مغنّية وكانت معنا في المجلس فضربت بالقضيب وغنت :
علامة ذلّ الهوى على العاشقين البكاء * ولا سيما عاشق إذا لم يجد مشتكى
فقال لها الفتى : أحسنت واللَّه يا سيّدتي أفتأذنين لي أن أموت ؟ فقالت :
مت راشدا ، قال : فوضع رأسه على الوسادة وأطبق فمه وغمض عينيه فحرّكناه فإذا هو ميّت . وقال الجنيد : رأيت رجلا متعلَّقا بكمّ صبي وهو يتضرّع إليه ويظهر له المحبّة فالتفت إليه الصبيّ وقال له : إلى متى ذا النفاق الَّذي تظهر لي فقال : قد
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 93
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٩٣