تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤

علم اللَّه أنّي صادق فيما أورده حتّى لو قلت لي مت لمتّ فقال : إن كنت صادقا فمت قال : فتنحّى الرّجل وغمض عينيه فوجد ميتا . وقال سمنون المحبّ : كان في جيراننا رجل وله جارية يحبّها غاية الحبّ فاعتلَّت الجارية فجلس الرّجل ليصلح لها حيسا فبينا هو يحرّك ما في القدر إذ قالت الجارية : آه ، قال : فدهش الرّجل وسقطت الملعقة من يده وجعل الرّجل يحرّك ما في القدر بيده حتّى تساقطت أصابعه فقالت الجارية : ما هذا ؟ فقال الرّجل هذا من أجل قولك : آه . وحكي عن محمّد بن عبد اللَّه البغدادي قال : رأيت بالبصرة شابّا على سطح مرتفع وقد أشرف على الناس وهو يقول هذا البيت : من مات عشقا فليمت هكذا * لا خير في عشق بلا موت ثمّ رمى بنفسه إلى الأرض فحملوه ميتا ، فهذا وأمثاله قد يصدق به في حبّ المخلوق فالتصديق به في حبّ الخالق أولى لأنّ البصيرة أصدق من البصر الظاهر وجمال الحضرة الرّبوبيّة أوفى من كلّ جمال بل كلّ جمال في العالم فهو حسنة من حسنات ذلك الجمال نعم الَّذي فقد البصر ينكر جمال الصور ومن فقد السمع ينكر لذّة الألحان والنغمات الموزونة فالَّذي فقد القلب لا بدّ أن ينكر أيضا هذه اللَّذّات الَّتي لا مطيّة لها سوى القلب . * ( بيان انّ الدّعاء غير مناقض للرّضا ولا يخرج صاحبه عن مقام الرّضا ) * وكذلك كراهة المعاصي ومقت أهلها وحسم أسبابها والسعي في إزالتها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يناقضه ، وقد غلط في ذلك قوم من البطَّالين المغترّين وزعموا أنّ المعاصي والفجور والكفر من قضاء اللَّه وقدره فيجب الرّضا به وهذا جهل بالتأويل وغفلة عن أسرار الشرع ، فأمّا الدّعاء فقد تعبّدنا به وكثرت أدعية النبيّ وسائر الأنبياء عليهم السّلام على ما نقلناه في كتاب الدّعوات ولقد كان عليه السّلام في أعلى مقامات الرّضا وقد أثنى اللَّه عزّ وجلّ على بعض عباده بقوله : « يدعوننا رغبا ورهبا » ( 1 ) وأمّا إنكار المعاصي وكراهتها وعدم الرّضا فقد تعبّد اللَّه عزّ وجلّ به عباده

هامش
( 1 ) الأنبياء : 90 .