يجعل أحدهم رجله على أضلاعه كهيئة الدّرج فيصعد إلى رأسه ثمّ ينزل على أضلاعه كذلك وهو مطرق إلى الأرض لا ينطق ولا يرفع رأسه فقال له بعض أولاده الكبار : يا أبت أما ترى ما يصنع هذا بك لو نهيته عن هذا ، فقال : يا بنيّ إنّي رأيت ما لم تروا وعلمت ما لم تعلموا إنّي تحرّكت حركة واحدة فاهبطت من دار الكرامة إلى دار الهوان ومن دار النعيم إلى دار الشقاء فأخاف أن أتحرّك حركة أخرى فيصيبني ما لا أعلم .
ويروى أنّ اللَّه تعالى أوحى إلى داود عليه السّلام : تريد وأريد وإنّما يكون ما أريد فإن سلَّمت لما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلَّم لما أريد أتعبتك فيما تريد .
ثمّ لا يكون إلا ما أريد .
وقال عليه السّلام : « إنّ اللَّه عزّ وجلّ جعل بحكمته وجلاله الرّوح والفرح في الرّضا واليقين وجعل الغمّ والحزن في الشكّ والسّخط » [ 1 ] .
أقول : وأمّا الآثار الَّتي ذكرها أبو حامد في هذا المقام فلمّا لم يكن فيها مزيد فائدة تركنا ذكرها .
* ( بيان حقيقة الرّضا وتصوّره فيما يخالف الهوى ) *
اعلم أنّ من قال : ليس فيما يخالف الهوى وأنواع البلاء إلا الصبر فأمّا الرّضا فلا يتصوّر فإنّما أتى من ناحية إنكار المحبّة فأمّا إذا ثبت تصوّر الحبّ للَّه تعالى واستغراق الهمّ به فلا يخفى أنّ الحبّ يورث الرّضا بأفعال الحبيب ويكون ذلك من وجهين أحدهما أن يبطل الإحساس بالألم حتّى يجري عليه المؤلم ولا يحسّ به وتصيبه جراحة وهو لا يدرك ألمها ، ومثاله الرّجل المحارب فإنّه في حال غضبه أو حال خوفه قد تصيبه جراحة وهو لا يحسّ بها فإذا رأى الدّم استدلّ به على الجراحة بل الَّذي يعدو في شغل قريب قد تصيبه شوكة في قدمه ولا يحسّ بألمه لشغل قلبه بل الَّذي يحجم أو يحلق رأسه بحديدة كآلة يتألَّم به فإن كان مشغول القلب بمهمّ من مهمّاته فيفرغ المزيّن أو الحجّام وهو لا يشعر به وكلّ ذلك لأنّ القلب إذا صار مستغرقا بأمر من الأمور مستوفى به لم يدرك ما عداه ، وكذا العاشق المستغرق الهمّ
هامش
[ 1 ] أخرجه الطبراني من حديث ابن مسعود إلا أنه قال : « جعل بقسطه » . ( المغني )