تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
بمشاهدة معشوقه أو بحبّه قد يصيبه ما كان يتألَّم به أو يغتمّ لولا عشقه ، ثمّ لا يدرك غمّه وألمه لفرط استيلاء الحبّ على قلبه هذا إذا أصابه من غير حبيبه فكيف إذا أصابه من حبيبه وشغل القلب بالحبّ والعشق من أعظم الشواغل وإذا تصوّر هذا في ألم يسير بسبب حبّ خفيف تصوّر في الألم العظيم بالحبّ العظيم فإنّ الحبّ أيضا يتصوّر تضاعفه في القوّة كما يتصوّر تضاعف الألم وكما يقوى حبّ الصور الجميلة المدركة بحاسّة البصر فكذا يقوى حبّ الصور الجميلة الباطنة المدركة بنور البصيرة وجمال الحضرة الرّبوبيّة وجلالها لا يقاس به جمال ولا جلال فمن ينكشف له شيء منه فقد يبهره بحيث يدهش ويغشى عليه ولا يحسّ بما يجري عليه فقد قيل : ضرب الحبيب لا يوجع ، وأمّا وجه الثاني فهو أن يحسّ به ويدرك ألمه ولكن يكون راضيا به بل راغبا فيه مريدا له أعني بعقله وإن كان كارها له بطبعه كالَّذي يلتمس من الفصّاد الفصد والحجامة فإنّه يدرك ألمه إلا أنّه راض به وراغب فيه ومتقلَّد من الفصّاد والحجّام المنّة فهذا حالة الرّاضي بما يجري عليه من الألم وكذلك كلّ من يسافر في طلب الرّبح يدرك مشقّة السفر ولكن حبّه لثمرة سفره طيّب عنده مشقّة السفر وجعله راضيا بها ومهما أصابته بليّة من اللَّه عزّ وجلّ وكان له يقين بأنّ ثوابه الَّذي ادّخر له فوق ما فاته رضي به ورغب فيه وأحبّه وشكر اللَّه تعالى عليه هذا إن كان يلاحظ الثواب والإحسان الَّذي يجازى به عليه ويجوز أن يغلب الحبّ بحيث يكون حظَّ المحبّ في مراد حبيبه ورضاه لا لمعنى آخر وراءه فيكون مراد حبيبه ورضاه محبوبا عنده ومطلوبا وكلّ ذلك موجود في المشاهدات في حبّ الخلق ، وقد تواصفها المتواصفون في نظمهم ونثرهم ولا معنى له إلا ملاحظة جمال الصور الظاهرة المدركة بالصبر ، فإن نظر إلى الجمال فما هو إلا جلد على لحم ودم مشحون بالأقذار والأخباث بدايته من نطفة مذرة ونهايته جيفة قذرة وهو فيما بينهما يحمل العذرة وإن نظر إلى المدرك للجمال فهي العين الخسيسة الَّتي تغلط فيما ترى كثيرا فترى الصغير كبيرا والكبير صغيرا والبعيد قريبا والقبيح جميلا وإذا تصوّر فيه استيلاء هذا الحبّ فمن أين يستحيل ذلك في حبّ الجمال الأزلي الأبدي الَّذي لا منتهى لكماله