تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥

المقرّبون يلازمون الحضرة عاكفون بطرفهم عليها يستحقرون نعيم الجنان بالإضافة إلى ذرّة منها فقوم بقضاء شهوة البطن والفرج مشغولون وللمجالسة أقوام آخرون ولذلك قال عليه السّلام : « أكثر أهل الجنّة البله » ( 1 ) وعلَّيّون لذوي الألباب ولما قصرت الأفهام عن إدراك معنى علَّيّين عظم أمره فقال : « وما أدراك ما علَّيّون » ( 2 ) كما قال : « القارعة * ما القارعة . وما أدراك ما القارعة » ( 3 ) . ومنها أن يكون في حبّه خائفا متضائلا تحت الهيبة والتعظيم وقد يظنّ أنّ الخوف يضادّ الحبّ وليس كذلك بل إدراك العظمة يوجب الهيبة كما أنّ إدراك الجمال يوجب الحبّ ولخصوص المحبّين مخاوف في مقام المحبّة ليست لغيرهم وبعض مخاوفهم أشدّ من بعض فأوّلها خوف الإعراض وأشدّ منه خوف الحجاب وأشدّ منه خوف الإبعاد وهذا المعنى في سورة هود هو الَّذي شيّب سيّد المحبّين إذ سمع قوله : « ألا بعدا لعاد قوم هود » ( 4 ) ، « ألا بعدا لثمود » ( 5 ) « ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود » ( 6 ) وإنّما تعظيم هيبة البعد وخوفه في قلب من ألف الحبّ والقرب وذاقه وتنعّم به فحديث البعد في حقّ المبعدين يشيب سماعه أهل القرب في القرب ولا يحنّ إلى القرب من ألف البعد ولا يبكي لخوف البعد من لم يمكَّن من بساط القرب ثمّ خوف الوقوف وسلب المزيد فإنّا قدّمنا أنّ درجات القرب لا نهاية لها وحقّ العبد أن يجتهد في كلّ نفس حتّى يزداد فيه قربا ، ولذلك قال عليه السّلام : « من استوى يوماه فهو مغبون ومن كان يومه شرّا من أمسه فهو ملعون » ( 7 ) وكذلك قال عليه السّلام : « إنّه ليغان على قلبي وإنّي لأستغفر اللَّه في اليوم واللَّيلة سبعين مرّة » ( 8 ) وإنّما كان استغفاره من القدم الأولى فإنّها كانت بعدا بالإضافة إلى القدم الثانية ويكون

هامش
( 1 ) تقدم مرارا .
( 2 ) المطففين : 19 .
( 3 ) القارعة : 1 و 2 و 3 .
( 4 ) السورة : 63 .
( 5 ) السورة : 71 .
( 6 ) السورة : 97 .
( 7 ) رواه الصدوق في معاني الأخبار ص 242 من حديث الصادق عليه السّلام .
( 8 ) تقدم كرارا من حديث الأغر .