الاستيحاش ومن عبده من طريق المحبّة والخوف أحبّه اللَّه فقرّبه ومكَّنه وعلَّمه والمحبّ لا يخلو من خوف والخائف لا يخلو عن محبّة ولكنّ الَّذي غلبت عليه المحبّة حتّى اتّسع فيها ولم يكن له من الخوف إلا يسير يقال هو في مقام المحبّة ويعدّ من المحبّين وكان شوب الخوف يسكن قليلا من سكر الحبّ فلو غلب الحبّ واستولت المعرفة لم تثبت لها طاقة البشر فإنّما الخوف يعدله ويخفّف وقعه على القلب ، وأمثال هذه المعارف الَّتي إليها الإشارة لا يجوز أن يشرك الناس فيها ولا يجوز أن يظهرها من انكشف له شيء منها لمن لم ينكشف له بل لو اشترك الناس فيها لخربت الدّنيا فالحكمة تقتضي شمول الغفلة لعمارة الدّنيا بل لو أكل الناس كلَّهم الحلال أربعين يوما لخربت الدّنيا لزهدهم فيها وبطلت الأسواق والمعايش بل لو أكل العلماء الحلال لاشتغلوا بأنفسهم ولوقفت الألسنة والأقلام عن كثير ممّا انتشر من العلوم ولكن للَّه فيما هو شرّ في الظاهر أسرار وحكم كما أنّ له في الخير أسرارا وحكما ولا منتهى لحكمته كما لا غاية لقدرته .
ومنها كتمان الحبّ واجتناب الدّعوى والتوقّي من إظهار الوجد والمحبّة تعظيما للمحبوب وإجلالا له وهيبة منه وغيرة على سرّه فإنّ الحبّ سرّ من أسرار الحبيب . ولأنّه قد يدخل في الدّعوى ما يتجاوز حدّ المعنى ويزيد عليه فيكون ذلك من الافتراء وتعظم العقوبة عليه في العقبى ويتعجّل عليه البلوي في الدّنيا .
نعم قد يكون للمحبّ سكرة في حبّه حتّى يدهش فيها وتضطرب أحواله فيظهر عليه حبّه فإن وقع ذلك من غير تمحّل أو اكتساب فهو معذور لأنّه مقهور وربما تشتعل من الحبّ نيرانه ، فلا يطاق سلطانه وقد يفيض القلب به فلا يندفع فيضانه .
فإن قلت : المحبّة منتهى المقامات وإظهارها إظهار للخير فلما ذا يستنكر ؟ فاعلم أنّ المحبّة محمودة وإظهارها أيضا محمود وإنّما المذموم التظاهر بها لما يدخل فيها من الدّعوى والاستكبار ، وحقّ المحبّ أن يتمّ على حبّه الخفي أحواله دون أقواله وأفعاله فان ظهر فينبغي أن يظهر حبّه من غير قصد منه إلى إظهار الحبّ ولا إلى إظهار الفعل الدّالّ على الحبّ بل ينبغي أن يكون قصد المحبّ اطَّلاع الحبيب
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 77
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٧٧