كمال الأنس بمناجاة المحبوب وكمال التنعّم بالخلوة به وكمال الاستيحاش من كلّ ما ينغّص عليه الخلوة ويعوق عن لذّة المناجاة . وعلامة الأنس باللَّه أن يصير العقل والفهم كلَّه مستغرقا بلذّة المناجاة كالَّذي يخاطب معشوقه ويناجيه ، وقد انتهت هذه اللَّذّة ببعضهم حتّى أنّه كان في صلاته ووقع الحريق في داره فلم يشعر به ، وقطعت رجل بعضهم بسبب علَّة أصابته وهو في الصلاة فلم يشعر به ، ومهما غلب الحبّ والأنس صارت الخلوة والمناجاة قرّة عينه تدفع بها جميع الهموم بل يستغرق الأنس والحبّ قلبه حتّى لا يفهم أمور الدّنيا ما لم تكرّر على سمعه مرارا مثل العاشق الولهان فإنّه يكلَّم الناس بلسانه وأنسه في الباطن بذكر حبيبه والمحبّ من لا يطمئنّ إلا إلى محبوبه وأوحى اللَّه تعالى إلى داود عليه السّلام قد كذب من ادّعى محبّتي إذا جنّه اللَّيل نام عنّي أليس كلّ محبوب يحبّ لقاء حبيبه ؟ فها أنا ذا موجود لمن طلبني . وقال موسى عليه السّلام : يا ربّ أين أنت فأقصدك ؟ فقال : إذا قصدتني فقد وصلت . ومنها أن لا يتأسّف على ما يفوته ممّا سوى اللَّه ويعظم تأسّفه على فوت كلّ ساعة خلت عن ذكر اللَّه وطاعته فيكون رجوعه عند الغفلات بالاستعطاف والاستعتاب والاستغفار والتوبة إليه قال بعض العارفين : إنّ للَّه عزّ وجلّ عبادا أحبّوه واطمأنّوا إليه فذهب عنهم التأسّف على الفائت فلم يتشاغلوا بحظَّ أنفسهم إذ كان قلبهم شاكرا راضيا ، وملك مليكهم تامّا ، وما شاء كان ، فما كان لهم فهو واصل إليهم وما فاتهم فلحسن تدبيره لهم ، وحقّ المحبّ إذا رجع من غفلته في لحظته أن يقبل على محبوبه ويشتغل بالعتاب ويسأله ويقول : يا ربّ بأيّ ذنب قطعت برّك عنّي وأبعدتني عن حضرتك وشغلتني بنفسي وبمتابعتي الشّيطان فيستخرج ذلك منه صفاء ذكر ورقّة قلب يكفر عنه ما سبق من الغفلة وتكون هفوته سببا لتجدّد ذكره وصفاء قلبه ومهما لم ير المحبّ إلا المحبوب ولم ير شيئا إلا منه لم يتأسّف ولم يشك واستقبل الكلّ بالرّضا وعلم أنّ المحبوب لم يقدر له إلا ما فيه خيرته ويذكر قوله تعالى : « عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم » ( 1 ) ومنها أن يتنعّم بالطاعة ولا يستثقلها ويسقط
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 72
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٧٢
هامش
( 1 ) البقرة : 213 .