عنه تعبها وكلّ هذا مثاله موجود في المشاهدات فإنّ العاشق لا يستثقل السعي في هوى معشوقه ويستلذّ خدمته بقلبه وإن كان شاقّا على بدنه ومهما عجز بدنه كان أحبّ الأشياء إليه أن تعاوده القدرة وأن يفارقه العجز حتّى يشتغل به فهكذا يكون حبّ اللَّه عزّ وجلّ فإنّ كلّ حبّ صار غالبا قهر لا محالة ما دونه فمن كان محبوبه أحبّ إليه من الكسل ترك الكسل في خدمته ومن كان أحبّ إليه من المال ترك المال في حبّه . وقيل لبعض المحبّين وقد كان بذل ماله ونفسه حتّى لم يبق له شيء : ما كان سبب حالك هذه في المحبّة ؟ فقال : سمعت يوما محبّا ظفر بمحبوبه وهو يقول له : أنا واللَّه أحبّك بقلبي كلَّه وأنت معرض عنّي بوجهك كلَّه ، فقال له المحبوب : إن كنت تحبّني فأيش تنفقه عليّ ؟ فقال : يا سيدي أملَّكك ما أملك ، ثمّ أنفق عليك روحي حتّى تهلك ، فقلت : هذا حبّ خلق لخلق وعبد لعبد فكيف بعبد لمعبود ، فكلّ هذا بسببه . ومنها أن يكون مشفقا على جميع عباد اللَّه ، رحيما بهم ، شديدا على جميع أعداء اللَّه وعلى كلّ من يقارف شيئا ممّا يكرهه اللَّه عزّ وجلّ كما قال اللَّه تعالى : « أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم » ( 1 ) ولا تأخذه في اللَّه لومة لائم ولا يصرفه عن الغضب للَّه صارف ، وبه وصف اللَّه تعالى أولياءه إذ قال في بعض الكتب : الَّذين يكلَّفون بحبّي كما يكلَّف الصبيّ بالشيء ويأوون إلى ذكري كما يأوي النسر إلى وكره ويغضبون لمحارمي كما يغضب النمر إذا حرد فإنّه لا يبالي قلّ الناس أم كثروا ، فانظر إلى هذا المثال فإنّ الصبيّ إذا كلَّف بالشيء لم يفارقه أصلا فإن أخذ منه لم يكن له شغل إلا البكاء والصياح حتّى يردّ إليه فإذا نام أخذه معه في ثيابه فإذا انتبه عاد وتمسّك به ومهما فارقه بكى ومهما وجده فرح وضحك ومن نازعه فيه أبغضه معه ومن أعطاه أحبّه ، وأمّا النمر فإنّه لا يملك نفسه عند الغضب حتّى يبلغ من شدّة غضبه أن يهلك نفسه ، فهذه علامات المحبّة فمن تمّت فيه هذه العلامات فقد تمّت محبّته وخلص حبّه وصفا في الآخرة شرابه وعذب مشربه ومن امتزج بحبّه
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 73
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٧٣
هامش
( 1 ) الفتح : 29 .