فقطَّ فأمّا إرادته اطَّلاع غيره فشرك في الحبّ وقادح فيه كما ورد في الإنجيل : إذا تصدّقت فتصدّق بحيث لا تعلم شمالك ما صنعت يمينك ، فالَّذي يرى الخفيّات يجزيك به علانية ، وإذا صمت فاغسل وجهك وادّهن رأسك لئلا يعلم بذلك غير ربّك فإظهار القول والفعل كلَّه مذموم إلا إذا غلب سكر الحبّ القلب فانطلق اللَّسان واضطربت الأعضاء فلا يلام فيه صاحبه ، ممّا يكره التظاهر بالحبّ بسببه أنّ المحبّ إن كان عارفا وعرف أحوال الملائكة في حبّهم الدّائم وشوقهم اللازم الَّذي به « يسبّحون اللَّيل والنهار ولا يفترون ولا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون » لاستنكف من نفسه ومن إظهار حبّه وعلم قطعا أنّه أخسّ المحبّين في مملكته وإنّ حبّه أنقص من حبّ كلّ محبّ للَّه فهذه مجامع علامات الحبّ وثمراته .
ومنها الأنس والرّضا كما سيأتي ، وبالجملة جميع محاسن الدّين ومكارم الأخلاق ثمرة الحبّ وما لا يثمره الحبّ فهو اتّباع الهوى وهو من رذائل الأخلاق ، نعم قد يحبّ اللَّه لإحسانه إليه وقد يحبّه لجلاله وجماله وإن لم يحسن إليه . والمحبّون لا يخرجون عن هذين القسمين ولذلك قال الجنيد : الناس في محبّة اللَّه عامّ وخاصّ فالعوام نالوا ذلك بمعرفتهم في دوام إحسانه وكثرة نعمه فلم يتمالكوا أن أحبّوه إلا أنّه تقلّ محبّتهم وتكثر على قدر النعم والإحسان ، وأمّا الخاصّة فنالوا المحبّة بعظم القدر والقدرة والعلم والحكمة والتفرّد بالملك ، فلمّا عرفوا صفاته الكاملة وأسماءه الحسني لم يمتنعوا أن أحبّوه إذ استحقّ عندهم بذلك المحبّة لأنّه أهل لها ، ولو أزال عنهم جميع النعم ، نعم من الناس من يحبّ هواه وعدوّ اللَّه إبليس وهو مع ذلك يلبس على نفسه بحكم الغرور والجهل ويظنّ أنّه محبّ للَّه . وهو الَّذي لا يجد من نفسه هذه العلامات أو يلبس بها نفاقا ورئاء وسمعة ، وغرضه عاجل حظَّ الدّنيا وهو يظهر من نفسه خلافه كعلماء السوء وقرّاء السوء أولئك بغضاء اللَّه في أرضه ، وقد قال أبو التراب النخشبي في علامات المحبّ أبياتا :
لا تخدعنّ فللمحبّ دلائل * ولديه من تحف الحبيب وسائل
منها تنعّمه بمرّ بلائه * وسروره في كلّ ما هو فاعل
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 78
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٧٨