ولا تموتون أبدا وتقيمون فلا تظعنون أبدا ، وتصحّون فلا تمرضون أبدا » [ 1 ] . وقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « آتي يوم القيامة باب الجنّة فأستفتح فيقول الخازن من أنت ؟ فأقول محمّد ، فيقول : بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك ( 1 ) » . ثمّ تأمّل الآن في غرف الجنة واختلاف درجات العلوّ فيها ، فإنّ الآخرة أكبر درجات وأكبر تفصيلا ، وكما أنّ بين النّاس في الطَّاعات الظاهرة والأخلاق الباطنة المحمودة تفاوتا ظاهرا فكذلك فيما يجازون به تفاوت ظاهر ، فإن كنت تطلب أعلى الدّرجات فاجتهد أن لا يسبقك أحد بطاعة اللَّه تعالى فقد أمرك اللَّه بالمسابقة والمسارعة والمنافسة فيها فقال : « وسابقوا إلى مغفرة من ربّكم وجنّة عرضها كعرض السّماء والأرض ( 2 ) » وقال : « سارعوا إلى مغفرة من ربّكم ( 3 ) » وقال : « وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ( 4 ) » والعجب أنّه لو تقدّم عليك أقرانك أو جيرانك بزيادة درهم أو بعلوّ بناء ثقل ذلك عليك وضاق به ذرعك وتنغّص بسبب الحسد عيشك ، وأحسن أحوالك أن تستقرّ في الجنّة وأنت لا تسلم فيها من أقوام يسبقونك بلطائف لا توازيها الدّنيا بحذافيرها فقد قال أبو سعيد الخدريّ : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ أهل الجنّة ليتراؤن أهل الغرف من فوقهم كما تتراؤون الكوكب الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم ، قالوا : يا رسول اللَّه تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم ؟ قال : بلى والَّذي نفسي بيده رجال آمنوا باللَّه وصدّقوا المرسلين ( 5 ) » وقال أيضا : « إنّ أهل الدّرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون النّجم الطالع في أفق من آفاق السّماء ( 6 ) » .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 368
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٦٨
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في صحيحه ج 1 ص 130 من حديث أنس .
( 2 ) الحديد : 21 .
( 3 ) آل عمران : 133 .
( 4 ) المطففين : 26 .
( 5 ) أخرجه مسلم ج 8 ص 145 .
( 6 ) أخرجه الترمذي وحسنه وابن ماجة تحت رقم 96 من حديث أبي سعيد الخدري .
[ 1 ] أخرجه ابن المبارك في الزهد وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن راهويه وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في صفة الجنة والبيهقي في البعث والضياء المقدسي في المختارة كما في الدر المنثور ج 5 ص 343 . وفيه قوله : « فلم يتغير أشعارهم » « فلن تغير أبشارهم » .