تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦

من أين للشمس حلاوة مثل حلاوة صورته وحسن أصداغه وطرّته وملاحة أحداقه ، فيا عجبا لمن يؤمن بدار هذه صفتها ويوقن بأنّه لا بدّ ذاهب إليها ولا يموت أهلها ولا تحلّ الفجائع بمن نزل بفنائها ولا ينظر الأحداث بعين التعيير إلى أهلها كيف يأنس بدار قد أذن اللَّه في خرابها ويتهنّأ بعيش دونها ، واللَّه لو لم يكن فيها إلا سلامة الأبدان مع الأمن من الموت والجوع والعطش وسائر أصناف الحدثان لكان جديرا بأن يهجر الدّنيا بسببها وأن لا يؤثر عليها ما التصرّم والتنغيص من ضرورته وكيف وأهلها ملوك آمنون في أنواع السرور ممتّعون ، لهم فيها كلّ ما يشتهون وهم في كلّ يوم بفناء العرش يحضرون ، وإلى وجه اللَّه الكريم ينظرون وينالون بالنظر من اللَّذة ما لا يلتفتون معه إلى سائر نعيم الجنان ولا ينظرون إليه وهم على الدّوام بين أصناف هذه النّعيم يتردّدون وهم من زوالها آمنون قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « ينادي مناد يا أهل الجنّة إنّ لكم فيها أن تصحّوا فلا تسقموا أبدا ، وإنّ لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا ، وإنّ لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبدا ، وإنّ لكن أن تنعّموا فلا تبأسوا أبدا فذلك قوله عزّ وجلّ « ونودوا أن تلكم الجنّة أورثتموها بما كنتم تعملون ( 1 ) » ومهما أردت أن تعرف صفة الجنّة فاقرء القرآن فليس وراء بيان اللَّه تعالى بيان واقرأ من قوله تعالى : « ولمن خاف مقام ربّه جنّتان ( 2 ) » إلى آخر سورة الرّحمن . واقرأ سورة الواقعة وغيرها من السّور ، وإن أردت أن تعرف تفصيل صفاتها من الأخبار فتأمّل الآن تفصيلها بعد أن اطَّلعت على جملتها وتأمّل أوّلا عدد الجنان قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في قوله : « ولمن خاف مقام ربّه جنّتان » قال : « جنّتان من فضّة آنيتهما وما فيهما ، وجنّتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربّهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنّة عدن ( 3 ) » .

هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ج 8 ص 148 من حديث أبي سعيد الخدري . والآية في سورة الأعراف : 42 .
( 2 ) الرحمن : 46 .
( 3 ) أخرجه البخاري في صحيحه ج 6 ص 181 من حديث عبد اللَّه بن قيس عن أبيه .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 366 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري