لذلك من علامة تعرف ؟ فقال : نعم التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله ( 1 ) » . * ( الباب الثالث ) * * ( في سكرات الموت وشدّته وما يستحبّ من الأحوال عند الموت ) * اعلم أنه لو لم يكن بين يدي العبد المسكين كرب ولا هول ولا عذاب سوى سكرات الموت بمجرّدها لكان جديرا بأن يتنغّص عليه عيشه ويتكدّر عليه سروره ويفارقه سهوه وغفلته وحقيقا بأن يطول فيه فكرته ويعظم له استعداده لا سيّما وهو في كلّ نفس بصدده كما قال بعض الحكماء : كرب بيد سواك لا تدري متى يغشاك ، وقال لقمان لابنه : يا بنيّ أمر لا تدري متى يلقاك استعدّ له قبل أن يفجأك . والعجب أنّ الإنسان لو كان في أعظم اللَّذّات وأطيب مجالس اللَّهو فانتظر أن يدخل عليه جنديّ فيضربه خمس خشبات لتكدّرت عليه لذّته وفسد عليه عيشه وهو في كلّ نفس بصدد أن يدخل عليه ملك الموت بسكرات النزع وهو عنه غافل فما لهذا سبب إلا الجهل والغرور . واعلم أنّ شدّة الألم في سكرات النزع لا يعرفها بالحقيقة إلا من ذاقها ومن لم يذقها فإنّما يعرفها إمّا بالقياس إلى الآلام الَّتي أدركها وإمّا بالاستدلال بأحوال النّاس في النزع على شدّة ما هم فيه فأمّا القياس الَّذي يشهد له فهو أنّ كلّ عضو لا روح فيه فلا يحسّ بالألم فإذا كان فيه الرّوح تألَّم ، فالمدرك للألم هو الرّوح فمهما أصاب العضو الَّذي فيه الرّوح جرح أو حرق سرى الأثر منه إلى الرّوح فبقدر ما يسري إلى الرّوح يتألَّم والمؤلم يتفرّق على اللَّحم والدّم وسائر الأجزاء فلا يصيب الرّوح إلا بعض الأثر فإذا كان في الآلام ما يباشر نفس الرّوح ولا يلاقي غيره فما أعظم ذلك الألم وما أشدّه ، والنزع عبارة عن مؤلم نزل بنفس الرّوح فاستغرق جميع أجزائه حتّى لم يبق جزء من أجزاء الرّوح المنتشرة في أعماق البدن إلا وقد حلّ به الألم فلو أصابته شوكة فالألم الَّذي يجده إنّما يجري في
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 252
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٥٢
هامش
( 1 ) أخرجه الحاكم في المستدرك وابن أبي الدنيا في قصر الأمل وقد تقدم .