اللَّه تعالى : « يودُّ أحدهم لو يعمّر ألف سنة ( 1 ) » ومنهم من يأمل البقاء إلى الهرم وهو أقصى العمر الَّذي شاهده ورآه وهو الَّذي يحبّ الدّنيا حبّا شديدا قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « حبّ الشيخ شابّ في طلب الدّنيا وإن التفّت ترقوتاه من الكبر إلا الَّذين اتّقوا وقليل ما هم ( 2 ) » ، ومنهم من يأمل إلى سنة فلا يشتغل بتدبير ما وراءها ولا يقدّر لنفسه وجودا في عام قابل ولكنّ هذا يستعدّ في الصيف للشتاء وفي الشتاء للصيف وإذا جمع ما يكفيه لسنة اشتغل بالعبادة ، ومنهم من يأمل مدّة الصيف أو الشتاء فلا يدّخر في الصّيف ثياب الشتاء ولا في الشتاء ثياب الصيف ، ومنهم من يرجع أمله إلى يوم وليلة فلا يستعدّ إلا لنهاره فأمّا للغد فلا . قال عيسى عليه السّلام : « لا تهتمّوا برزق غد فإن يكن غدا من آجالكم فستأتي أرزاقكم مع آجالكم وإن لم يكن غدا من آجالكم فلا تهتمّوا لأرزاق غيركم » . ومنهم من لا يجاوز أمله ساعة كما قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « يا عبد اللَّه إذا أصبحت فلا تحدّث نفسك بالمساء وإذا أمسيت فلا تحدّث نفسك بالصباح ( 3 ) » ومنهم من لا يقدّر البقاء أيضا ساعة ، ومنهم من يكون الموت نصب عينيه كأنّه واقع وهو ينتظره وهذا الإنسان هو الَّذي يصلَّي صلاة مودّع . فهذه مراتب الناس ولكلّ درجات عند اللَّه وليس من أمله مقصورا على شهر كمن أمله شهر ويوم بل بينهما تفاوت في الدّرجة عند اللَّه فإن اللَّه لا يظلم مثقال ذرّة وإن تك حسنة يضاعفها ومن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره ثمّ يظهر أثر قصر الأمل في المبادرة إلى العمل وكلّ إنسان يدّعي أنّه قصير الأمل وهو كاذب وإنّما يظهر ذلك بأعماله فإنّه يعتني بأسباب ربّما لا يحتاج إليها في سنة فيدلّ ذلك على طول أمله ، وإنّما علامة التوفيق أن يكون الموت نصب عينيه لا يغفل عنه ساعة فيستعدّ للموت الَّذي يرد عليه في الوقت فإن عاش إلى المساء شكر اللَّه تعالى
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 249
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٤٩
هامش
( 1 ) البقرة : 96 .
( 2 ) أخرج صدره مسلم والبخاري في الصحيح ج 8 ص 111 ولم أجده بتمامه .
( 3 ) أخرجه الترمذي ج 9 ص 203 والبيهقي وغيره من حديث ابن عمر قاله صلى اللَّه عليه وآله له .