تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠

على طاعته وفرح بأنّه لم يضيّع نهاره بل استوفى منه حظَّه وادّخره لنفسه ثمّ يستأنف مثله إلى الصباح وهكذا إذا أصبح ، ولا يتيسّر هذا إلا لمن فرغ القلب عن الغد وما يكون فيه فمثل هذا إذا مات سعد وغنم وإن عاش سرّ بحسن الاستعداد ولذّة المناجاة فالموت له سعادة والحياة له مزيد ، فليكن الموت على بالك يا مسكين فإنّ السير حادّ بك وأنت غافل عن نفسك ولعلَّك قد قاربت المنزل وقطعت المسافة ولا يكون كذلك إلا بمبادرة العمل اغتناما لكلّ نفس أمهلت فيه . * ( بيان المبادرة إلى العمل حذر آفة التأخير ) * اعلم أنّ من له إخوان غائبان وينتظر قدوم أحدهما في غد وينتظر قدوم الآخر بعد شهر أو سنة فلا يستعدّ للَّذي يقدم إلى شهر أو سنة وإنّما يستعدّ للمنتظر قدومه غدا فالاستعداد نتيجة قرب الانتظار فمن انتظر مجيء الموت بعد سنة اشتغل قلبه بالمدّة ونسي ما وراء المدّة ، ثمّ يصبح كلّ يوم وهو منتظر للسنة بكمالها لا ينقص منها اليوم الَّذي انقضى وذلك يمنعه من مبادرة العمل أبدا فإنّه أبدا يرى لنفسه متّسعا في تلك السّنة ويؤخّر العمل كما قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « ما ينتظر أحدكم من الدّنيا إلا غنى مطغيا ، أو فقرا منسيا ، أو مرضا مفسدا ، أو هرما مفنّدا ، أو موتا مجهزا ، أو الدّجّال فالدّجال شرّ غائب ينتظر ، أو الساعة ، والساعة أدهى وأمرّ [ 1 ] » . وقال ابن عبّاس رضي اللَّه عنه : قال النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لرجل وهو يعظه : « اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، وصحّتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك ( 1 ) » .

هامش
( 1 ) رواه الحاكم ج 4 ص 306 وقال : صحيح على شرط الشيخين .
[ 1 ] أخرجه الترمذي ج 9 ص 185 من رواية محرز بن هارون عن عبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة وقال : حديث حسن . وقوله : « هرما مفندا » أي مبلغا إلى أرذل العمر وقوله « موتا مجهزا » أي قاضيا على العبد بالفناء ، يقال : أجهزت على فلان ، إذا عجلت قتله وأسرعت بذهاب نفسه .