فيفي بتمام التوبة وربّما يكره الموت خيفة من أن يختطفه قبل تمام التّوبة وقبل إصلاح الزّاد وهو معذور في كراهة الموت ولا يدخل هذا تحت قوله عليه السّلام : « من كره لقاء اللَّه كره اللَّه لقاءه ( 1 ) » فإنّ هذا ليس يكره الموت ولقاء اللَّه وإنّما يخاف فوت لقاء اللَّه لقصوره وتقصيره ، وهو كالَّذي يتأخّر عن لقاء الحبيب مشتغلا بالاستعداد للقائه على وجه يرضاه فلا يعدّ كارها للقائه وعلامة هذا أن يكون دائم الاستعداد له لا شغل له سواه وإلا التحق بالمنهمك في الدّنيا ، وأمّا العارف فإنّه يذكر الموت دائما لأنّه موعد للقائه لحبيبه والمحبّ لا ينسي قطَّ موعد لقاء الحبيب ، وهذا في غالب الأمر يستبطئ مجيء الموت ويحبّ مجيئه ليتخلَّص من دار العاصين وينتقل إلى جوار ربّ العالمين كما روي عن حذيفة - رضي اللَّه عنه - أنّه لمّا حضرته الوفاة قال : حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم ، اللَّهمّ إن كنت تعلم أنّ الفقر أحبّ إليّ من الغنى والسقم أحبّ إليّ من الصحّة والموت أحبّ إليّ من الحياة فسهّل عليّ الموت حتّى ألقاك فإذن التّائب معذور في كراهة الموت وهذا معذور في حبّ الموت وتمنّيه وأعلى رتبة منهما من يفوّض أمره إلى اللَّه فصار لا يختار لنفسه موتا ولا حياة بل يكون أحبّ الأشياء إليه أحبّها إلى مولاه فهذا قد انتهى بفرط الحبّ والولاء إلى درجة التّسليم والرّضا وهو الغاية والمنتهى وعلى كلّ حال ففي ذكر الموت ثواب وفضل ، فإنّ المنهمك في الدّنيا أيضا يستفيد بذكر الموت التّجافي عن الدّنيا إذ يتنغّص عليه نعيمه ويتكدّر عليه صفو لذّته وكلّ ما يكدر على الإنسان اللَّذّات والشهوات فهو من أسباب النّجاة . * ( بيان فضل ذكر الموت كيف ما كان ) * قال النبيّ عليه السّلام : « أكثروا ذكرها ذم اللَّذات الموت [ 1 ] » أي نغّصوا به اللَّذات
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 239
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٣٩
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 8 ص 132 من حديث عبادة بن صامت ومسلم ج 8 ص 65 من حديث عائشة .
[ 1 ] أخرجه ابن ماجة تحت رقم 4258 . والنسائي والترمذي أيضا وقال السيوطي « هاذم » بالذال المعجمة أي قاطعها ، ويحتمل أن يكون بالدال المهملة والمراد على التقديرين الموت .