تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
أنّ الآخرة أولى بالإيثار من العاجلة فله طريقان أحدهما أن يسمع من غيره أنّ الآخرة أولى بالإيثار فيقلَّده ويصدّقه من غير بصيرة بحقيقة الأمر فيميل بعمله إلى إيثار الآخرة اعتمادا على مجرّد قوله وهذا يسمّى تقليدا ولا يسمّى معرفة والطريق الثاني أن يعرف أنّ الأبقى أولى بالإيثار ثمّ يعرف أنّ الآخرة أبقى فيحصل له من هاتين المعرفتين معرفة ثالثة وهي أنّ الآخرة أولى بالإيثار ، ولا يمكن تحقّق المعرفة بأنّ الآخرة أولى بالإيثار إلا بالمعرفتين السابقتين فإحضار المعرفتين السابقتين في القلب للتوصّل به إلى المعرفة الثالثة يسمّى تفكَّرا واعتبارا وتذكَّرا ونظرا وتأمّلا وتدبّرا . أمّا التأمّل والتّدبّر والتفكَّر فعبارات مترادفة على معنى واحد ليست تحتها معان مختلفة ، فأمّا اسم التذكَّر والاعتبار والنظر فهي مختلفة المعاني وإن كان أصل المسمّى واحدا كما أنّ اسم الصارم والسيف والمهنّد يتوارد على شيء واحد ولكن باعتبارات مختلفة فالصّارم يدلّ على السّيف من حيث هو قاطع والمهنّد يدلّ عليه من حيث نسبته إلى موضعه ، والسيف يدلّ دلالة مطلقة من غير إشعار بهذه الزّوائد فكذلك الاعتبار ينطلق على إحضار المعرفتين من حيث إنّه يعبر منهما إلى معرفة ثالثة فإن لم يقع العبور ولم يكن إلا الوقوف على المعرفتين فينطلق عليه اسم التذكَّر لا اسم الاعتبار ، فأمّا النظر والتفكَّر فيقع عليه من حيث إنّ فيه طلب معرفة ثالثة ، فمن ليس يطلب المعرفة الثالثة لا يسمّى ناظرا فكلّ متفكَّر فهو متذكَّر وليس كلّ متذكَّر متفكَّرا وفائدة التذكار تكرار المعارف على القلب لترسخ وتثبت ولا تنمحي عن القلب ، وفائدة التفكَّر تكثير العلم واستجلاب معرفة ليست حاصلة فهذا هو الفرق بين التذكَّر والتفكَّر والمعارف إذا اجتمعت في القلب وازدوجت على ترتيب مخصوص أثمرت معرفة أخرى فالمعرفة نتاج المعرفة فإذا حصلت معرفة وازدوجت مع معرفة أخرى حصل منها نتاج آخر وهكذا يتمادى النتاج وتتمادى العلوم ويتمادى الفكر إلى غير نهاية وإنّما ينسدّ طريق زيادة المعارف بالموت أو العوائق ، هذا لمن يقدر على استثمار العلوم ويهتدي إلى طريق زيادة المعارف وطريق التفكَّر ، فأمّا أكثر الناس فانّما منعوا الزّيادة في العلوم