تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨

لفقدهم رأس المال وهو المعارف الَّتي منها تستثمر العلوم كالَّذي لا بضاعة له فإنّه لا يقدر على الرّبح ، وقد يملك البضاعة ولكن لا يحسن صنعة التجارة فلا يربح ، فكذلك قد يكون له من المعارف ما هو رأس العلوم ولكنّه ليس يحسن استعمالها وتأليفها وإيقاع الازدواج المفضي إلى النتاج فيها ومعرفة طريق الاستعمال والاستثمار تارة تكون بنور إلهيّ في القلب يحصل بالفطرة كما كان للأنبياء عليهم السّلام وذلك عزيز جدّا وقد تكون بالتعلَّم والممارسة وهو الأكثر ، ثمّ المتفكَّر قد تحضر له هذه المعارف وتحصل له الثمرة وهو لا يشعر بكيفيّة حصولها ولا يقدر على التعبير عنه لقلَّة ممارسته لصناعة التدبير في الايراد فكم من إنسان يعلم أنّ الآخرة أولى بالايثار علما حقيقيّا ولو سئل عن سبب معرفته لم يقدر على إيراده والتعبير عنه مع أنّه لم تحصل معرفة إلا عن المعرفتين السابقتين وهو أنّ الأبقى أولى بالإيثار وأنّ الآخرة أبقى من الدّنيا فتحصل له معرفة ثالثة وهي أنّ الآخرة أولى بالإيثار فرجع حاصل حقيقة التفكَّر إلى إحضار معرفتين للتوصّل بهما إلى معرفة ثالثة ، وأمّا ثمرة الفكر فهي العلوم والأحوال والأعمال ولكن ثمرتها الخاصّة العلم لا غير ، نعم إذا حصل العلم في القلب تغيّر حال القلب وإذا تغيّر حال القلب تغيّرت أعمال الجوارح فالعمل تابع للحال ، والحال تابع للعلم والعلم تابع للفكر والفكر إذن هو المبدء والمفتاح للخيرات كلَّها وهذا هو الَّذي يكشف لك عن فضيلة التفكَّر وأنّه خير من الذكر والتذكَّر لأنّ في الفكر ذكرا وزيادة وذكر القلب خير من عمل الجوارح بل شرف العمل لما فيه من الذّكر فإذن التفكَّر أفضل من جملة الأعمال ولذلك قيل : تفكَّر ساعة خير من عبادة سنة . وقيل : هو الَّذي ينقل من المكاره إلى المحابّ ومن الرّغبة والحرص إلى الزّهد والقناعة ، وقيل : هو الَّذي يحدث مشاهدة وتقوى ولذلك قال تعالى : « لعلَّهم يتّقون أو يحدث لهم ذكرا ( 1 ) » وإن أردت أن تفهم كيفيّة تغيّر الحال بالفكر فمثاله ما ذكرناه من أمر الآخرة فإنّ الفكر فيه يعرّفنا أنّ الآخرة أولى بالايثار فإذا رسخت هذه المعرفة يقينا في

هامش
( 1 ) طه : 113 .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 198 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري