وعن الرّضا عليه السّلام « ليس العبادة بكثرة الصلاة والصوم ، إنّما العبادة التفكَّر في أمر اللَّه تعالى ( 1 ) » . قال أبو حامد : وعن محمّد بن واسع أنّ رجلا من أهل البصرة ركب إلى أمّ ذرّ بعد موت أبي ذرّ فسألها عن عبادة أبي ذرّ فقالت : كان نهاره أجمع في ناحية البيت يتفكَّر . وقال بعض السّلف : تفكَّر ساعة خير من قيام ليلة ، وقال آخر : الفكر مرآة تريك حسناتك وسيّئاتك ، وقال آخر : الفكرة مخّ العقل وقد قيل : إذا المرء كانت له فكرة * ففي كلّ شيء له عبرة وروي أنّ الحواريّين قالوا لعيسى ابن مريم عليه السّلام : هل على الأرض اليوم مثلك ؟ فقال : نعم من كان منطقه ذكرا وصمته فكرا ونظره عبرة فإنّه مثلي وقال بعض السلف : من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو ، ومن لم يكن سكوته تفكَّرا فهو سهو ، ومن لم يكن نظره اعتبارا فهو لهو . وفي قول اللَّه عزّ وجلّ : « سأصرف عن آياتي الَّذين يتكبّرون في الأرض بغير الحقّ ( 2 ) » قال : أمنع قلوبهم من التفكَّر في أمري . وعن أبي سعيد الخدريّ قال : قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « أعطوا أعينكم حظَّها من العبادة ، قالوا : وما حظَّها من العبادة يا رسول اللَّه ؟ قال : النظر في المصحف والتفكَّر فيه والاعتبار عند عجائبه » ( 3 ) . وعن امرأة كانت تسكن البادية قريبا من مكَّة أنّها قالت لو تطالعت قلوب المتّقين بفكرها إلى ما قد ادّخر في حجب الغيوب من خير الآخرة لم يصف لهم في الدّنيا عيش ولم تقرّ لهم في الدّنيا عين . وكان لقمان يطيل الجلوس وحده فكان يمرّ به مولاه فيقول : يا لقمان إنّك تديم الجلوس وحدك فلو جلست مع الناس لكان آنس لك ، فيقول
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 195
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٩٥
هامش
( 1 ) الكافي ج 2 ص 55 تحت رقم 4 .
( 2 ) الأعراف : 145 .
( 3 ) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب التفكر ، ومن طريقه أبو الشيخ ابن حبان في كتاب العظمة كما في المغني .