تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
* ( بيان مجاري الفكر ) * اعلم أنّ الفكر قد يجري في أمر يتعلَّق بالدّين وقد يجري فيما يتعلَّق بغير الدّين وإنّما غرضنا ما يتعلَّق بالدّين فلنترك القسم الآخر ونعني بالدّين المعاملة الَّتي بين العبد وبين الرّبّ تعالى فجميع أفكار العبد إمّا أن تتعلَّق بالعبد وصفاته وأحواله وإمّا أن تتعلَّق بالمعبود وصفاته وأفعاله ولا يمكن أن يخرج من هذين القسمين وما يتعلَّق بالعبد إمّا أن يكون نظرا فيما هو محبوب عند الرّبّ تعالى أو فيما هو مكروه ولا حاجة إلى الفكر في غير هذين القسمين وما يتعلَّق بالرّبّ تعالى إمّا أن يكون نظرا في ذاته وصفاته وأسمائه الحسني . وإمّا أن يكون نظرا في أفعاله وملكه وملكوته وجميع ما في السماوات والأرضين وما بينهما وينكشف لك انحصار الفكر في هذه الأقسام بمثال وهو أنّ حال السائرين إلى اللَّه والمشتاقين إلى لقائه يضاهي حال العشّاق فلنتّخذ العاشق المستهتر مثالا فنقول : العاشق المستغرق الهمّ بعشقه لا يعدو فكره من أن يتعلَّق بمعشوقه أو يتعلَّق بنفسه ، فإن تفكَّر في معشوقه فإمّا أن يتفكَّر في جماله وحسن صورته ليتنعّم بالفكر فيه ومشاهدته ، وإمّا أن يتفكَّر في أعماله اللَّطيفة الحسنة الدّالَّة على أخلاقه وصفاته ليكون ذلك مضعفا للذّته ومقويا لمحبّته وإن تفكَّر في نفسه فيكون فكره في صفاته الَّتي تسقطه من عين محبوبه حتّى يتنزّه عنها أو في الصفات الَّتي تقرّبه منه وتحبّبه إليه حتّى يتّصف بها فإن تفكَّر في شيء خارج عن هذه الأقسام فذلك خارج عن حدّ العشق وهو نقصان فيه لأنّ العشق التامّ الكامل ما يستغرق العاشق ويستولي على القلب حتّى لا يترك فيه متّسعا لغيره ، فمحبّ اللَّه تعالى ينبغي أن يكون كذلك فلا يعدو نظره وتفكَّره محبوبه ومهما كان تفكَّره محصورا في هذه الأقسام الأربعة لم يكن خارجا عن مقتضى المحبّة فلنبدأ بالقسم الأوّل وهو تفكَّره في صفات نفسه وأفعال نفسه ليميّز المحبوب منها عن المكروه ، فإنّ هذا القسم هو الَّذي يتعلَّق بعلم المعاملة الَّذي هو مقصود هذا الكتاب ، وأمّا القسم الآخر فيتعلَّق بعلم المكاشفة ، ثمّ كلّ واحد ممّا هو مكروه عند اللَّه أو محبوب ينقسم