تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
* ( بيان ان المستحقّ للمحبّة هو اللَّه تعالى وحده ) * وأنّ من أحبّ غير اللَّه لا من حيث نسبته إلى اللَّه فذلك لجهله وقصوره في معرفة اللَّه تعالى وحبّ الرّسول محمود لانّه عين حبّ اللَّه وكذا حبّ العلماء والأتقياء لأنّ محبوب المحبوب محبوب ورسول المحبوب محبوب ومحبّ المحبوب محبوب وكلّ ذلك يرجع إلى حبّ الأصل فلا يجاوزه إلى غيره فلا محبوب بالحقيقة عند ذوي البصائر إلا اللَّه ولا مستحقّ للمحبّة سواه وإيضاحه بأن يرجع إلى الأسباب الخمسة الَّتي ذكرناها ونبيّن أنّها مجتمعة في حقّ اللَّه تعالى بجملتها ولا توجد في غيره إلا آحادها وأنّها حقيقة في حقّ اللَّه تعالى ووجودها في حقّ غيره وهم وتخيّل وهو مجاز محض لا حقيقة له ومهما ثبت ذلك انكشف لكلّ ذي بصيرة ضدّ ما تخيّله ضعفاء العقول والقلوب من استحالة حبّ اللَّه تعالى تحقيقا وبان أنّ التحقيق يقتضي أن لا يحبّ أحدا غير اللَّه تعالى . أمّا السبب الأوّل : وهو حبّ الإنسان نفسه وبقاءه وكماله ودوام وجوده وبغضه لهلاكه وعدمه ونقصانه وقواطع كماله فهذه جبلَّة كلّ حيّ ولا يتصوّر أن ينفكّ عنها حيّ وهذا يقتضي غاية المحبّة للَّه تعالى فإنّ من عرف نفسه وعرف ربّه عرف قطعا أنّه لا وجود له من ذاته وإنّما وجود ذاته ودوام وجوده وكمال وجوده من اللَّه وباللَّه وإلى اللَّه فهو المخترع الموجد له وهو المبقي له وهو المكمّل لوجوده بخلق صفات الكمال وخلق الأسباب الموصلة إليه وخلق الهداية إلى استعمال الأسباب وإلا فالعبد من حيث ذاته لا وجود له من ذاته بل هو محو محض وعدم صرف لولا فضل اللَّه عليه بالإيجاد وهو هالك عقيب وجوده لولا فضل اللَّه عليه بالإبقاء وهو ناقص بعد الوجود لولا فضل اللَّه عليه بتكميل خلقته ، وبالجملة فليس في الوجود شيء له بنفسه قوام إلا القيّوم الحيّ الدّائم الَّذي هو قائم بذاته ، وكلّ ما سواه قائم به فإن أحبّ العارف ذاته ووجود ذاته مستفاد من غيره فبالضرورة يحبّ المفيد لوجوده والمديم له إن عرفه خالقا موجدا ومخترعا مبقيا وقيّوما بنفسه ومقوّما لغيره فإن كان لا يحبّه فهو لجهله بنفسه وبربّه والمحبّة ثمرة المعرفة فتنعدم بانعدامها وتضعف بضعفها وتقوي بقوّتها ولذلك قيل : من عرف ربّه أحبّه ومن عرف النّار
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 16 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري