تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 15

مساهمون:

ص١٥

بل المحسن في نفسه محبوب وإن كان قد لا ينتهي قطَّ إحسانه إلى المحبّ لأنّ كلّ جمال وحسن فهو محبوب والصورة ظاهرة وباطنة والحسن والجمال يشملهما وتدرك الصور الظاهرة بالبصر الظاهر والصور الباطنة بالبصيرة الباطنة فمن حرم البصيرة الباطنة لا يدركها ولا يلتذّ بها ولا يحبّها ولا يميل إليها ومن كانت البصيرة الباطنة أغلب عليه من الحواسّ الظاهرة كان حبّه للمعاني الباطنة أكثر من حبّه للمعاني الظاهرة فشتّان بين من يحبّ نقشا مصوّرا على الحائط لجمال صورته الظاهرة وبين من يحبّ نبيّا من الأنبياء لجمال صورته الباطنة . السبب الخامس : المناسبة الخفيّة بين المحبّ والمحبوب إذ ربّ شخصين يتأكَّد المحبّة بينهما لا بسبب جمال أو حظَّ ولكنّ بمجرّد تناسب الأرواح كما قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم « الأرواح جنود مجنّدة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف » ( 1 ) وقد حقّقنا ذلك في كتاب آداب الصحبة عند ذكر الحبّ في اللَّه تعالى فليطلب منه لأنّه أيضا من عجائب أسباب الحبّ فإذن رجع أقسام الحبّ إلى خمسة أقسام وهو حبّ الإنسان وجود نفسه وكماله وبقائه وحبّه من أحسن إليه فيما يرجع إلى دوام وجوده ويعين على بقائه ودفع المهلكات عنه ، وحبّه من كان محسنا في نفسه إلى الناس وإن لم يكن محسنا إليه وحبّه لكلّ ما هو جميل في ذاته سواء كان من الصور الظاهرة أو الباطنة وحبّه لمن بينه وبينه مناسبة خفيّة في الباطن ، فلو اجتمعت هذه الأسباب كلَّها في شخص واحد تضاعف الحبّ لا محالة كما لو كان للإنسان ولد جميل الصورة حسن الخلق كامل العلم حسن التدبير محسن إلى الخلق ومحسن إلى الوالد كان محبوبا لا محالة غاية الحبّ وتكون قوّة الحبّ بعد اجتماع هذه الخصال بحسب قوّة هذه الخلال في نفسها فإن كانت هذه الصفات في أقصى درجات الكمال كان الحبّ لا محالة في أعلى الدّرجات ، فلنبيّن الآن أنّ هذه الأسباب كلَّها لا يتصوّر كمالها واجتماعها إلا في حقّ اللَّه فلا يستحقّ المحبّة في الحقيقة إلا اللَّه سبحانه وتعالى .

هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في صحيحه ج 8 ص 41 وقد تقدم .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 15 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري