الندور وكما أنّ من غلب عليه حبّ اللَّه عزّ وجلّ وحبّ الآخرة اكتسبت حركاته الاعتياديّة صفة همّه وصارت إخلاصا فالَّذي يغلب على نفسه حبّ الدّنيا والعلوّ والرّئاسة وبالجملة حبّ غير اللَّه اكتسب جميع حركاته الاعتياديّة تلك الصفة فلم تسلم له عباداته من صومه وصلاته وغير ذلك إلا نادرا ، فعلاج الإخلاص كسر حظوظ النفس وقطع الطمع عن الدّنيا والتجرّد للآخرة بحيث يغلب ذلك على القلب فإذ ذاك يتيسّر الإخلاص ، وكم من أعمال يتعب الإنسان فيها ويظنّ أنّها خالصة لوجه اللَّه تعالى ويكون فيها مغرورا لأنّه لا يدري وجه الآفة فيه كما حكي عن بعضهم أنّه قال : قضيت صلاة ثلاثين سنة كنت صلَّيتها في المسجد جماعة في الصفّ الأوّل لأنّي تأخّرت يوما لعذر وصلَّيت في الصفّ الثاني فاعترتني خجلة من الناس حيث رأوني في الصف الثاني فعرفت أنّ نظر الناس إليّ في الصف الأوّل كان يسرّني وكان سبب استراحة قلبي من ذلك من حيث لا أشعر ، وهذا دقيق غامض وقلَّما تسلم الأعمال من أمثاله ، وقلّ من يتنبّه له ، والغافلون عنه يرون حسناتهم كلَّها في الآخرة سيّئات وهم المرادون بقوله تعالى : « وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون » ( 1 ) « وبدا لهم سيّئات ما عملوا » ( 2 ) و « قل هل ننبّئكم بالأخسرين أعمالا . الَّذين ضلّ سعيهم في الحياة الدّنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا » ( 3 ) وأشدّ الخلق تعرّضا لهذه الفتنة العلماء فإنّ الباعث للأكثرين على نشر العلم لذّة الاستيلاء والفرح بالاستتباع والاستبشار بالحمد والثناء والشيطان يلبّس عليهم ذلك ويقول : غرضكم نشر دين اللَّه والنضال عن شرع رسول اللَّه ، وترى الواعظ يمنّ على اللَّه بنصيحته للخلق ووعظه للسلاطين ويفرح بقبول الناس قوله وإقبالهم عليه وهو يزعم أنّه يفرح بما تيسّر له من نصرة الدّين ، ولو ظهر من أقرانه من هو أحسن منه وعظا وانصرف الناس عنه وأقبلوا عليه ساءه ذلك وغمّه ولو كان باعثه الدّين لشكر اللَّه عزّ وجلّ إذ كفاه هذا المهمّ بغيره ، ثمّ الشّيطان مع ذلك لا يخلَّيه ويقول إنّما غمّك لانقطاع
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 131
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٣١
هامش
( 1 ) الزمر : 48 .
( 2 ) الجاثية : 32 .
( 3 ) الكهف : 104 و 105 .