تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
انضافت إليه خطرة من هذه الخطرات حتّى صار العمل عليه أخفّ بسبب هذه الأمور فقد خرج عمله عن حدّ الإخلاص وخرج عن أن يكون خالصا لوجه اللَّه تعالى وتطرّق الشرك إليه وقد قال تعالى : أنا أغنى الشركاء عن الشركة ، وبالجملة كلّ حظَّ من حظوظ الدّنيا تستريح إليه النفس ويميل إليه القلب قلّ أم كثر إذا تطرّق العمل تكدّر به صفوه وزال به إخلاصه والإنسان مرتبط في حظوظه منغمس في شهواته قلَّما ينفكّ فعل من أفعاله وعبادة من عباداته عن حظوظ وأغراض عاجلة من هذه الأجناس فلذلك قيل : من سلمت له في عمره خطوة واحدة خالصة لوجه اللَّه تعالى نجا وذلك لعزّة الإخلاص وعسر تنقية القلب عن هذه الشوائب بل الخالص هو الَّذي لا باعث عليه إلا طلب القرب من اللَّه تعالى وهذه الحظوظ إن كانت هي الباعثة وحدها فلا يخفى شدّة الأمر على صاحبها وإنّما نظرنا فيما إذا كان القصد الأصلي هو التقرّب وانضافت هذه الأمور إليه ، ثمّ هذه الشوائب إمّا أن تكون في رتبة الموافقة أو في رتبة المشاركة أو في رتبة المعاونة كما سبق في النيّة ، وبالجملة فامّا أن يكون الباعث النفسي مثل الباعث الدّيني أو أقوى منه أو أضعف ولكلّ واحد حكم آخر كما سنذكره وإنّما الإخلاص تخليص العمل عن هذه الشوائب كلَّها قليلها وكثيرها حتّى يتجرّد فيه قصد التقرّب فلا يكون فيه باعث سواه وهذا لا يتصوّر إلا من محبّ للَّه عزّ وجلّ مستهتر به ، مستغرق الهمّ بالآخرة بحيث لم يبق لحبّ الدّنيا في قلبه قرار حتّى لا يحبّ الأكل والشرب أيضا بل تكون رغبته فيه كرغبته في قضاء الحاجة من حيث إنّه ضرورة الجبلَّة فلا يشتهي الطعام لأنّه طعام بل لأنّه يقوّيه على عبادة اللَّه ويتمنّى أن لو كفى شرّ الجوع حتّى لا يحتاج إلى الأكل فلا يبقى في قلبه حظَّ من الفضول الزائدة على الضرورة ويكون قدر الضرورة مطلوبا عنده لأنّه ضرورة دينه فلا يكون له همّ إلا لدينه ، فمثل هذا الشخص لو أكل أو شرب أو قضى حاجته كان خالص العمل صحيح النيّة في جميع حركاته وسكناته ، فلو نام مثلا ليريح نفسه ليتقوّى على العبادة بعده كان نومه عبادة وكانت له درجة المخلصين فيه ، ومن ليس كذلك فباب الإخلاص في العمل كالمسدود عليه إلا على
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 130 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري