محض التقرّب إلى اللَّه تعالى فهو مخلص ولكنّ العادة جارية بتخصيص اسم الإخلاص بتجريد قصد التقرّب إلى اللَّه تعالى عن جميع شوائبه كما أنّ الإلحاد عبارة عن الميل ولكن خصّصته العادة بالميل عن الحقّ ومن كان باعثه مجرّد الرّياء فهو متعرّض للهلاك ولسنا نتكلَّم فيه إذ قد ذكرنا ما يتعلَّق به في كتاب الرّياء من ربع المهلكات وأقلّ أموره ما ورد في الخبر « إنّ المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسامي : يا مرائي يا مخادع يا مشرك يا كافر » ( 1 ) وإنّما نتكلَّم الآن فيمن انبعث لقصد التقرّب ولكن امتزج بهذا الباعث باعث آخر إمّا من الرّياء وإمّا من غيره من حظوظ النفس ومثال ذلك أن يصوم لينتفع بالحمية الحاصلة بالصوم مع قصد التقرّب ، أو يعتق عبدا ليتخلَّص من مؤنته وسوء خلقه ، أم يحجّ ليصحّ مزاجه بحركة السفر ، أو ليتخلَّص من شرّ يعرض له في بلده أو ليهرب عن عدوّ له في منزله أو يتبرّم بأهله وولده أو لشغل هو فيه وأراد أن يستريح عنه أيّاما ، أو يغزو ليمارس الحرب ويتعلَّم أسبابه ويقدر به على تهيئة العساكر وجرّها ، أو يصلَّي باللَّيل وله غرض في دفع النعاس عن نفسه به وليراقب رحله وأهله أو يتعلَّم العلم ليسهل عليه طلب ما يكفيه من المال أو ليكون عزيزا بين العشيرة ، أو ليكون عقاره وأمواله محروسة بعزّ العلم عن الأطماع ، أو اشتغل بالدّرس والوعظ ليتخلَّص عن كرب الصمت ويتفرّج بلذّة الحديث أو تكفّل بخدمة العلماء ليكون حرمته وافرة عندهم وعند الناس ، أو لينال به رفقا في الدّنيا أو كتب مصحفا ليجوّد بالمواظبة على الكتابة خطَّه أو يحجّ ماشيا ليخفّف عن نفسه مئونة الكراء ، أو توضّأ ليتنظَّف ويتبرّد أو اغتسل ليتطيّب رائحته ، أو روى الحديث ليعرف بعلوّ الإسناد ، أو اعتكف في المسجد ليخفّ عليه كراء المسكن أو صام ليخفّف عن نفسه التردّد في طبخ الطعام أو ليتفرّغ لاشغاله فلا يشغله الأكل عنها أو يتصدّق على السائل ليقطع إبرامه في السؤال عن نفسه أو يعود مريضا ليعاد إذا مرض ويشيّع جنازة ليشيّع جنائز أهله أو يفعل شيئا من ذلك ليعرف بالخير ويذكر به وينظر إليه بعين الصلاح والوقار ، فمهما كان باعثه هو التقرّب إلى اللَّه عزّ وجلّ ولكن
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 129
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٢٩
هامش
( 1 ) تقدم في كتاب الرياء .