حتّى أنّ الرّجل قد يجاوز به حبّه لصاحب مذهبه حدّ العشق فيحمله ذلك على أن ينفق جميع أمواله في نصرة مذهبه والذّبّ عنه ويخاطر بروحه في قتال من يطعن في إمامه ومتبوعه ، فكم من دم أريق في نصرة أرباب المذاهب وليت شعري من يحبّ إمامه مثلا فلم يحبّه ؟ ولم يشاهد قطَّ صورته ولو شاهده ربّما لم يستحسن صورته فاستحسانه الَّذي حمله على إفراطه في الحبّ إنّما لسيرته الباطنة لا لصورته الظاهرة فإنّ صورته الظاهرة قد انقلبت ترابا وإنّما يحبّه لصفاته الباطنة من الدّين والتقوى وغزارة العلم والإحاطة بمدارك الدّين وانتهاضه لإفاضة علم الشرع ولنشره هذه الخيرات في العالم وهذه أمور جميلة لا يدرك جمالها إلا بنور البصيرة فأمّا الحواسّ فقاصرة عنها . وتلك الصفات الباطنة ترجع جملتها إلى العلم والقدرة إذا علم حقائق الأمور وقدر على حمل نفسه عليها بقهر شهواته فجميع خلال الخير يتشعّب عن هذين الوصفين وهما غير مدركين بالحسّ ومحلَّهما من جملة البدن جزء لا يتجزّء فهو المحبوب بالحقيقة وليس للجزء الَّذي لا يتجزّء صورة وشكل ولون يظهر للبصر حتّى يكون محبوبا لأجله فإذن الجمال موجود في السير ولو صدرت السيرة الجميلة من غير علم وبصيرة لم يوجب ذلك حبّا فالمحبوب مصدر السير الجميلة وهي الأخلاق الحميدة والفضائل الشريفة وترجع جملتها إلى كمال العلم والقدرة وهو محبوب بالطبع وغير مدرك بالحواسّ حتّى أنّ الصبيّ المخلَّى وطبعه إذا أردنا أن نحبّب إليه غائبا أو حاضرا حيّا أو ميّتا لم يكن لنا سبيل إلا بالإطناب في وصفه بالشجاعة والكرم والعلم وسائر الخصال الحميدة ، فمهما اعتقد ذلك لم يتمالك في نفسه ولم يقدر أن لا يحبّه فهل غلب حبّ الصحابة وبغض أبي جهل وبغض إبليس لعنه اللَّه إلا بالأطناب في وصف المحاسن والمقابح الَّتي لا تدرك بالحواسّ بل لمّا وصف الناس حاتما بالسخاء ووصفوا رجلا بالشجاعة أحبّتهم القلوب حبّا ضروريّا وليس ذلك عن نظر إلى صورة محسوسة ولا عن حظَّ يناله المحبّ منهم بل إذا حكي من سيرة بعض الملوك في بعض أقطار الأرض العدل والإحسان وإفاضة الخير غلب حبّه على القلوب مع اليأس من انتشار إحسانه إلى المحبّين لبعد المزار ونأي الدّيار ، فإذن ليس حبّ الإنسان مقصورا على من أحسن إليه
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 14
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٤