يفسدوا ، وليتهم سكتوا فما نطقوا ، فإنّهم إذا تكلَّموا لم يهمّهم في مواعظهم إلا ما يرغَّب العوام ويستميل قلوبهم ولا يتوصّلون إلى ذلك إلا بالإرجاء وتغليب أسباب الرّجاء ، وذكر دلائل الرّحمة لأنّ ذلك ألذّ في الأسماع وأخفّ على الطَّباع فينصرف الخلق عن مجالس الوعظ وقد استفادوا مزيد جرأة على المعاصي ومزيد ثقة بفضل اللَّه ، ومهما كان الطبيب جاهلا أو خائنا أهلك بالدّواء حيث يضعه في غير موضعه فالرّجاء والخوف دوا آن ولكن لشخصين متضادّي العلَّة ، أمّا الَّذي غلب عليه الخوف حتّى هجر الدّنيا بالكلَّيّة وكلَّف نفسه مالا يطيق وضيّق العيش على نفسه بالكلَّيّة فتكسر سورة إسرافه في الخوف بذكر أسباب الرّجاء ليعود إلى الاعتدال ، وكذا المصرّ على الذّنوب المشتهي للتّوبة الممتنع عنها بحكم القنوط واليأس استعظاما لذنوبه الَّتي سبقت يعالج أيضا بأسباب الرّجاء حتّى يطمع في قبول التّوبة فيتوب . فأمّا معالجة المغرور المسترسل في المعاصي بذكر أسباب الرّجاء فيضاهي معالجة المحرور بالعسل طلبا للشفاء ، وذلك من دأب الجهّال والأغبياء فإذن فساد الأطبّاء هو الدّاء المعضل الَّذي لا يقبل الدّواء أصلا .
فإن قلت : فاذكر الطَّريق الَّذي ينبغي أن يسلكه الواعظ في وعظه مع الخلق ؟ فاعلم أنّ ذلك يطول ولا يمكن استقصاؤه نعم نشير إلى
الأنواع النافعة في حلّ عقدة الإصرار ، وحمل الناس على ترك الذّنوب
وهي أربعة أنواع :
النوع الأوّل - أن يذكر ما في القرآن من الآيات المخوّفة
للمذنبين والعاصين ، وكذلك ما ورد من الأخبار والآثار مثل قوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم [ 1 ] : « ما من يوم طلع فجره ولا ليلة غاب شفقها إلا وملكان يتجاوبان بأربعة أصوات يقول أحدهما : يا ليت هذا الخلق لم يخلقوا ، ويقول الآخر : يا ليتهم إذ خلقوا علموا لما ذا خلقوا ، فيقول الآخر :
ويا ليتهم إذ لم يعلموا لما ذا خلقوا عملوا بما علموا » .
وفي بعض الرّوايات
هامش
[ 1 ] قال العراقي : لم أجده هكذا ، وروى أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عمر بسند ضعيف « ان للَّه ملكا ينادى في كل ليلة أبناء الأربعين زرع قد دنى حصاده » - وفيه - « ليت الخلائق لم يخلقوا وليتهم إذا خلقوا علموا لما ذا خلقوا فتجالسوا بينهم فتذكروا - الحديث - » .