الثياب ، ولا تدري المعتوهة أنّ ثياب الدّنيا اجتمعت خيطا خيطا وأنّ أجسام العالم مع اتّساع أقطاره اجتمعت ذرّة ذرّة ، فإذن التضرّع والاستغفار بالقلب حسنة لا تضيع عند اللَّه أصلا ، بل أقول : الاستغفار باللَّسان أيضا حسنة إذ حركة اللَّسان بها عن غفلة خير من حركة اللَّسان في تلك الساعة بغيبة مسلم أو فضول كلام بل خير من السكوت عنه ، فيظهر فضله بالإضافة إلى السكوت عنه وإنّما يكون نقصانا بالإضافة إلى عمل القلب ، ولذلك قال بعضهم لشيخه أبي عثمان المغربي : إنّ لساني في بعض الأحوال يجري بالذّكر والقرآن وقلبي غافل ؟ فقال : اشكر اللَّه إذ استعمل جارحة من جوارحك في خير وعوّده الذّكر ولم يستعمله في الشرّ ولم يعوّده الفضول . وما ذكره حقّ فإنّ تعوّد الجوارح للخيرات حتّى يصير لها ذلك كالطبع يدفع جملة من المعاصي ، فمن تعوّد لسانه الاستغفار إذا سمع من غيره كذبا سبق لسانه إلى ما تعوّد فقال : أستغفر اللَّه ، ومن تعوّد الفضول سبق لسانه إلى أن يقول : ما أحمقك وما أقبح كذبك ، ومن تعوّد الاستعاذة إذا حدّث بظهور مبادي الشرّ من شرير قال بحكم سبق اللَّسان : نعوذ باللَّه ، فإذا تعوّد الفضول قال : لعنه اللَّه فيعصي في إحدى الكلمتين ويسلم في الأخرى وسلامته أثر اعتياد لسانه الخير ، وهو من جملة معاني قوله تعالى : « إنّ اللَّه لا يضيع أجر المحسنين » ( 1 ) ومعاني قوله تعالى : « وإن تك حسنة يضاعفها » ( 2 ) فانظر كيف ضاعفها إذ جعل الاستغفار في الغفلة عادة اللَّسان حتّى دفع بتلك العادة شرّ العصيان بالغيبة واللَّعن والفضول ، هذا تضعيف في الدّنيا لأدنى الطاعات وتضعيف الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ، فإيّاك أن تلمح في الطاعات بمجرّد الآفات فيفتر رغبتك في العبادات فإنّ هذه مكيدة روّجها الشيطان بلعبه على المغرورين وخيّل إليهم أنّهم أرباب البصائر وأهل التفطَّن للخفايا والسرائر فأيّ خير في ذكر اللَّسان مع غفلة القلب فانقسم الخلق في هذه المكيدة على ثلاثة أقسام : ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات ، أمّا السابق فقال : صدقت يا ملعون ، ولكن هي كلمة حقّ أردت بها باطلا فلا جرم أعذّبك مرّتين وأرغم أنفك
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 88
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٨٨
هامش
( 1 ) التوبة : 120 .
( 2 ) النساء : 40 .