* ( الرّكن الرابع في دواء التوبة ) * * ( وطريق العلاج لحل عقدة الإصرار ) * اعلم أنّ النّاس قسمان شابّ لا صبوة له نشأ على الخير واجتناب الشرّ وهو الَّذي قال فيه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « يعجب ربّك من شابّ ليست له صبوة » ( 1 ) وهذا عزيز نادر ، والقسم الثاني هو الَّذي لا يخلو عن مقارفة الذّنوب ، ثمّ هم ينقسمون إلى مصرّين وإلى تائبين وغرضنا أن نبيّن العلاج في حلّ عقدة الإصرار ونذكر الدّواء فيه ، فاعلم أنّ شفاء التّوبة لا يحصل إلا بالدّواء ولا يقف على الدّواء من لا يقف على الدّاء ، إذ لا معنى للدّواء إلا مناقضة أسباب الدّاء فكلّ داء حصل من سبب فدواؤه حلّ ذلك السّبب ورفعه وإبطاله ولا يبطل الشّيء إلا بضدّه ولا سبب للإصرار إلا الغفلة والشهوة ولا يضادّ الغفلة إلا العلم ولا يضادّ الشهوة إلا الصبر على قطع الأسباب المحرّكة للشهوة ، والغفلة رأس الخطايا قال اللَّه تعالى : « أولئك هم الغافلون . لا جرم أنّهم في الآخرة هم الخاسرون » ( 2 ) فلا دواء إذن للتّوبة إلا معجون يعجن من حلاوة العلم ومرارة الصبر ، وكما يجمع في السّكنجبين بين حلاوة السكَّر وحموضة الخلّ ويقصد بكلّ واحد منهما غرض آخر في العلاج بمجموعهما فينقمع الأسباب المهيّجة للصفراء ، فهكذا ينبغي أن يفهم علاج القلب عمّا به من مرض الإصرار ، فإذن لهذا الدّواء أصلان أحدهما العلم والآخر الصبر فلا بدّ من بيانهما ، فإن قلت : أينفع كلّ علم لحلّ الإصرار أم لا بدّ من علم مخصوص ؟ فاعلم أنّ العلوم بجملتها أدوية لأمراض القلوب لكن لكلّ مرض علم يخصّه كما أنّ علم الطبّ نافع في علاج الأمراض بالجملة ولكن يخصّ كلّ علَّة علم مخصوص فكذلك دواء الإصرار ، فلنذكر خصوص ذلك العلم على موازنة مرض الأبدان ليكون أقرب إلى الفهم ، فنقول : يحتاج المريض إلى التصديق بأمور أربعة : الأوّل أن يصدّق على الجملة بأنّ للمرض والصحّة أسبابا يتوصّل إليها بالاختيار على ما رتّبه مسبّب
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 90
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٩٠
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد والطبراني من حديث عقبة بن عامر كما في المغني .
( 2 ) النحل : 109 و 110 .