تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩

من وجهين فأضيف إلى حركة اللَّسان حركة القلب وكان الَّذي داوى جرح الشيطان بنثر الملح عليه ، وأمّا الظالم المغرور فاستشعر في نفسه خيلاء الفطنة لهذه الدّقيقة ثمّ عجز عن الإخلاص بالقلب فترك مع ذلك تعويد اللَّسان بالذّكر فأسعف الشيطان وتدلَّى بحبل غروره فتمّت بينهما المشاكلة والموافقة كما قيل : وافق شنّ طبقة * وافقه فاعتنقه ( 1 ) وأمّا المقتصد فلم يقدر على إرغامه بإشراك القلب في العمل وتفطَّن لنقصان حركة اللَّسان بالإضافة إلى القلب ولكن اهتدى إلى كماله بالإضافة إلى السّكوت والفضول واستمرّ عليه وسأل اللَّه أن يشرك القلب مع اللَّسان في اعتياد الخير ، فكان السابق كالحائك الَّذي ذمّت حياكته فتركها فأصبح كاتبا والظالم المتخلَّف كالَّذي ترك الحياكة وأصبح كنّاسا . والمقتصد كالَّذي عجز عن الكتابة فقال : لا أنكر مذمّة الحياكة ولكنّ الحائك مذموم بالإضافة إلى الكاتب لا بالإضافة إلى الكنّاس ، فإن عجزت عن الكتابة فلا أترك الحياكة ، ولذلك قالت رابعة العدويّة : استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير ، فلا تظنّ أنّها تذمّ حركة اللَّسان من حيث إنّه ذكر اللَّه ، بل تذمّ غفلة القلب فهو محتاج إلى الاستغفار من غفلة قلبه لا من حركة لسانه فإن سكت عن الاستغفار باللَّسان أيضا احتاج إلى الاستغفارين لا إلى استغفار واجد ، فهكذا ينبغي أن يفهم ذمّ ما يذمّ وحمد ما يحمد ، وإلا جهلت معنى ما قال القائل الصّادق : « حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين » فإنّ هذه أمور تثبت بالإضافة فلا ينبغي أن تؤخذ من غير إضافة بل ينبغي أن لا تستحقر ذرّات الطاعات والمعاصي ولذلك قال الإمام جعفر الصّادق عليه السّلام : « إنّ اللَّه تعالى خبأ ثلاثا في ثلاث رضاه في طاعته فلا تحقّروا منها شيئا فلعلّ رضاه فيه ، وغضبه في معاصيه فلا تحقّروا منها شيئا فلعلّ غضبه فيه ، وخبأ ولايته في عباده فلا تحقّروا منهم أحدا فلعلَّه وليّ للَّه » .

هامش
( 1 ) مثل سائر ، راجع مجمع الأمثال للميداني الباب السادس والعشرين .