الَّذين قال اللَّه تعالى فيهم : « وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيّئا » ( 1 ) فأمره من حيث مواظبته على الطاعات وكراهيته لما يتعاطاه مرجوّ فعسى اللَّه أن يتوب عليه وعاقبته مخطرة من حيث تسويفه وتأخيره ، فربّما يختطف قبل التوبة ويقع أمره في المشيّة ، فإن تداركه اللَّه بفضله وجبر كسره وامتنّ عليه بالتوبة التحق بالسابقين وإن غلبته شقوته وقهرته شهوته فيخشى أن يحقّ عليه في الخاتمة ما سبق عليه من القول في الأزل لأنّه مهما تعذّر على المتفقّه مثلا الاحتراز عن شواغل التعلَّم دلّ تعذّره على أنّه سبق له في الأزل أن يكون من الجاهلين فيضعف الرّجاء في حقّه ، وإذا يسّرت له أسباب المواظبة على التحصيل دلّ على أنّه سبق له في الأزل أن يكون من جملة العالمين فكذلك ارتباط سعادات الآخرة ودركاتها بالحسنات والسيّئات بحكم تقدير مسبّب الأسباب كارتباط المرض والصحّة بتناول الأغذية والأدوية وارتباط حصول فقه النفس الَّذي به تستحقّ المناصب العليّة في الدّنيا بترك الكسل والمواظبة على تفقيه النفس ، فكما لا يصلح لمنصب الرّئاسة والقضاء والتقدّم بالعلم إلا نفس صارت فقيهة بطول التفقيه ، فلا يصلح لملك الآخرة ونعيمها ولا القرب من ربّ العالمين إلا قلب سليم صار طاهرا بطول التزكية والتطهير هكذا سبق في الأزل تدبير ربّ الأرباب ولذلك قال تعالى : « ونفس وما سوّاها * فألهمها فجورها وتقويها * قد أفلح من زكَّيها * وقد خاب من دسّيها » ( 2 ) فمهما وقع العبد في ذنب فصار الذّنب نقدا والتوبة نسيئة كان هذا من علامات الخذلان قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ العبد ليعمل بعمل أهل الجنّة سبعين سنة حتّى يقول الناس : إنّه من أهلها ولا يبقى بينه وبينها إلا شبر فيسبق عليه الكتاب فليعمل بعمل أهل النار فيدخلها » ( 3 ) فإذن الخوف من الخاتمة قبل التوبة وكلّ نفس فهو خاتمة ما قبله إذ يمكن أن يكون الموت متّصلا به فليراقب الأنفاس وإلا وقع المحذور ودامت الحسرات حين لا ينفع التحسّر .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 82
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٨٢
هامش
( 1 ) التوبة : 102 .
( 2 ) الشمس : 7 إلى 10 .
( 3 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 76 باب القدر . وفيه « ذراع » مكان « شبر » .