أمره إلا بالعزلة والصمت وقلَّة الأكل والنوم وإحراز قوت حلال فإن كان له مال موروث حلال أو كانت له حرفة يكتسب بها قدر الكفاية فليقتصر عليه فإنّ رأس المعاصي أكل الحرام فكيف يكون تائبا مع الإصرار عليه ولا يكتفي بالحلال وترك الشبهات من لا يقدر على ترك الشهوات في المأكولات والملبوسات وقد قال بعضهم : من صدق في ترك شهوة وجاهد نفسه للَّه تعالى سبع مرّات لم يبتل بها . وقال آخر : من تاب من ذنب واستقام سبع سنين لم يعد إليه أبدا .
ومن مهمّات التائب إذا لم يكن عالما أن يتعلَّم ما يجب عليه في المستقبل وما يحرم عليه حتّى يمكنه الاستقامة وإن لم يؤثر العزلة لم تتمّ له الاستقامة المطلقة إلا أن يتوب عن بعض الذّنوب كالَّذي يتوب عن الشرب والزنى والغصب مثلا وليست هذه توبة مطلقة وقد قال بعض الناس : إنّ هذه التوبة لا تصحّ وقال قائلون : تصحّ ، ولفظ الصحّة في هذا المقام مجمل بل نقول لمن قال : لا تصحّ إن عنيت به أنّ تركه بعض الذّنوب لا يفيد أصلا بل وجوده كعدمه فما أعظم خطاك فإنّا نعلم أن كثرة الذّنوب سبب لكثرة العقاب وقلَّتها سبب لقلَّته ونقول لمن قال :
تصحّ إن أردت به أنّ التوبة عن بعض الذّنوب توجب قبولا يوصل إلى النجاة أو الفوز فهذا أيضا خطأ ، بل النجاة والفوز بترك الجميع ، هذا حكم الظاهر ولسنا نتكلَّم في خفايا أسرار عفو اللَّه . فإن قال من ذهب إلى أنّه لا تصحّ : إنّي أردت به أنّ التوبة عبارة عن الندم وإنّما يندم على السرقة مثلا لكونها معصية لا لكونها سرقة ويستحيل أن يندم عليها دون الزّنى إن كان توجّعه لأجل المعصية فإنّ العلَّة شاملة لهما إذ من يتوجّع على قتل ولده بالسيف يتوجّع على قتله بالسكَّين ، لأنّ توجّعه بفوات محبوبه سواء كان بالسيف أو بالسكين ، فكذلك توجّع العبد بفوات محبوبه وذلك بالمعصية سواء عصى بالسرقة أو بالزّنى فكيف يتوجّع على البعض دون البعض فالندم حالة يوجبها العلم بكون المعصية مفوتة للمحبوب من حيث إنّها معصية فلا يتصوّر أن يكون على بعض المعاصي دون بعض ولو جاز هذا لجاز أن يتوب من شرب الخمر من أحد الدّنّين دون الآخر فإن استحال ذلك من حيث
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 71
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٧١