في لقاء اللَّه ، وأنّ كلّ محجوب عنه يشقى لا محالة محول بينه وبين ما يشتهيه ، محترق بنار الفراق ونار جهنم ، وعلم أنّه لا مبعد عن لقاء اللَّه إلا اتّباع الشهوات والأنس بهذا العالم الفاني والإكباب على حبّ ما لا بدّ من فراقه قطعا وعلم أنّه لا مقرّب من لقاء اللَّه إلا قطع علاقة القلب عن زخرف هذا العالم والإقبال بالكلَّية على اللَّه تعالى طلبا به بدوام ذكره وللمحبّة له بمعرفة جلاله وجماله على قدر طاقته وعلم أنّ الذّنوب الَّتي هي إعراض عن اللَّه تعالى واتّباع لمحابّ الشياطين أعداء اللَّه المبعدين عن حضرته سبب كونه محجوبا مبعدا عن اللَّه فلا يشكّ في أنّ الانصراف عن طريق البعد واجب للوصول إلى القرب وإنّما يتمّ الانصراف بالعلم والندم والعزم ، فإنّه ما لم يعلم أنّ الذّنوب أسباب للبعد عن المحبوب لم يتندّم ولم يتوجّع بسبب سلوكه في طريق البعد وما لم يتوجّع فلا يرجع ومعنى الرّجوع الترك والعزم فلا يشكّ في أنّ المعاني الثلاثة ضروريّة في الوصول إلى المحبوب وهكذا يكون الإيمان الحاصل عن نور البصيرة وأمّا من لم يترشّح لمثل هذا المقام المرتفع ذروته عن حدود أكثر الخلق ففي التقليد والاتّباع له مجال رحب يتوصّل به إلى النجاة من الهلاك فليلاحظ فيه قول اللَّه وقول رسوله وقول السلف الصالحين ، فقد قال اللَّه تعالى : « وتوبوا إلى اللَّه جميعا أيّها المؤمنون لعلَّكم تفلحون » ( 1 ) وهذا أمر على العموم ، وقال تعالى « يا أيها الَّذين آمنوا توبوا إلى اللَّه توبة نصوحا عسى ربّكم أن يكفّر عنكم سيئاتكم - الآية - » ( 2 ) ومعنى النصوح الخالص للَّه ، خاليا عن الشوائب ، مأخوذا من النصح ، ويدلّ على فضل التوبة قوله تعالى : « إنّ اللَّه يحبّ التوّابين ويحبّ المتطهّرين » ( 3 ) . وقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « التائب حبيب اللَّه . والتائب من الذنب كمن لا ذنب له » [ 1 ]
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 7
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٧
هامش
( 1 ) النور : 31 .
( 2 ) التحريم : 8 .
( 3 ) البقرة : 222 .
[ 1 ] أخرج شطره الأول ابن أبي الدنيا في التوبة وأبو الشيخ في كتاب الثواب من حديث أنس بسند ضعيف هكذا « ان اللَّه يحب الشاب التائب »
كما في المغني وشطره الثاني بلفظه أخرجه ابن ماجة تحت رقم 4250 ، والطبراني في الكبير بسند صحيح كما في مجمع الزوائد ج 10 ص 200 .