ألم يحصل لا محالة عقيب حقيقة المعرفة بما فات من العمر وضاع في سخط اللَّه ، فإن قلت : تألَّم القلب أمر ضروريّ لا يدخل تحت الاختيار فكيف يوصف بالوجوب ؟ فاعلم أنّ سببه تحقيق العلم بفوات المحبوب وله سبيل إلى تحصيل سببه ، ولمثل هذا المعنى دخل العلم تحت الوجوب ، لا بمعنى أنّ العلم يخلقه العبد ويحدثه في نفسه فإنّ ذلك محال بل العلم والندم والفعل والإرادة والقدرة والقادر ، الكلّ من خلق اللَّه وفعله « فاللَّه خلقكم وما تعملون » هذا هو الحقّ عند ذوي البصائر وما سوى هذا ضلال ، فإن قلت : أفليس للعبد اختيار في الفعل والترك ؟ قلنا : نعم وذلك لا يناقض قولنا إنّ الكلّ من خلق اللَّه بل الاختيار أيضا من خلق اللَّه والعبد مضطرّ في الاختيار الَّذي له فإنّ اللَّه إذا خلق اليد الصحيحة وخلق الطعام اللَّذيذ وخلق الشهوة للطعام في المعدة وخلق العلم في القلب بأنّ هذا الطعام مسكَّن للشهوة وخلق الخواطر المتعارضة في أنّ هذا الطعام هل فيه مضرّة مع أنه يسكَّن الشهوة وهل دون تناوله مانع يتعذّر معه تناوله أم لا ، ثمّ خلق العلم بأنّه لا مانع ، فعند اجتماع هذه الأسباب تنجزم الإرادة الباعثة على التناول فانجزام الإرادة بعد تردّد الخواطر المتعارضة وبعد قوّة الشهوة للطعام يسمّى اختيارا ولا بدّ من حصوله عند تمام أسبابه فإذا حصل انجزام الإرادة بخلق اللَّه إيّاها تحرّكت اليد الصحيحة إلى جهة الطعام لا محالة إذ بعد تمام الإرادة والقدرة يكون حصول الفعل ضروريّا فتحصل الحركة فتكون الحركة بخلق اللَّه بعد حصول القدرة وانجزام الإرادة وهما أيضا من خلق اللَّه وانجزام الإرادة يحصل بعد صدق الشهوة والعلم بعدم الموانع ، وهما أيضا من خلق اللَّه ولكن بعض هذه المخلوقات يترتّب على البعض ترتيبا جرت به سنّة اللَّه في خلقه ولن تجد لسنّة اللَّه تبديلا ، فلا يخلق اللَّه حركة اليد بكتابة منظومة ما لم يخلق فيها صفة تسمّى قدرة وما لم يخلق فيها حياة وما لم يخلق إرادة مجزومة ولا يخلق الإرادة المجزومة ما لم يخلق شهوة وميلا في النفس ، ولا ينبعث هذا الميل انبعاثا تامّا ما لم يخلق علما بأنّه موافق للنفس إمّا في الحال وإمّا في المآل ولا يخلق العلم أيضا إلا بأسباب أخر ترجع إلى حركة وإرادة وعلم فالعلم والميل الطبيعي أبدا يستتبع
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 10
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٠