اللَّه تعالى . ويدلّ على أنّ الشيء يكفّر بضدّه أنّ حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة وأثر اتّباع الدّنيا في القلب السرور بها ، الإلف لها والحنين إليها فلا جرم كان كلّ أذى يصيب المسلم ينبو بسببه قلبه عن الدّنيا يكون كفّارة له إذ القلب يتجافى بالهموم والغموم عن دار الهموم ، قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من الذّنوب ذنوب لا يكفّرها إلا الهموم » ( 1 ) وفي لفظ آخر « إلا الهمّ بطلب المعيشة » . وفي الحديث « إذا كثرت ذنوب العبد ولم تكن له أعمال تكفّرها أدخل اللَّه عليه الغموم فيكون كفّارة لذنوبه » ( 2 ) . ويقال : إنّ الهمّ الَّذي يدخل على القلب والعبد لا يعرفه هو ظلمة الذّنوب والهمّ بها وشعور القلب بوقفة الحساب وهول المطَّلع ، فإن قلت : همّ الإنسان غالبا بماله وولده وجاهه وهو خطيئة فكيف يكون كفّارة ؟ فاعلم أنّ الحبّ له خطيئة والحرمان عنه كفّارة ولو تمتّع به لتمّت الخطيئة ، فقد روي أنّ جبرئيل دخل على يوسف في السجن فقال له : كيف تركت الشيخ الكئيب فقال ( 3 ) : قد حزن عليك حزن مائة ثكلى ؟ قال : فما له عند اللَّه ؟ فقال : أجر مائة شهيد . فإذن الهموم أيضا مكفّرات حقوق اللَّه فهذا حكم ما بينه وبين اللَّه . وأمّا مظالم العباد ففيها معصية وجناية على حقّ اللَّه فإنّ اللَّه نهى عن ظلم العباد أيضا ، فما يتعلَّق منه بحقّ اللَّه تداركه بالندم والتحسّر وترك مثله في المستقبل والإتيان بالحسنات الَّتي هي أضدادها فيقابل إيذاؤه الناس بالإحسان إليهم ويكفّر غصب أموالهم بالتصدّق بملكه الحلال ، ويكفّر تناول أعراضهم بالغيبة والقدح فيهم بالثناء على أهل الدّين وإظهار ما يعرف من خصال الخير من أقرانه وأمثاله ، ويكفّر قتل النفوس باعتاق الرّقاب لأنّ ذلك إحياء إذ العبد مفقود لنفسه موجود لسيّده فالإعتاق إيجاد لا يقدر الإنسان على أكثر منه فيقابل الاعدام
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 66
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٦٦
هامش
( 1 ) أخرجه الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية والخطيب في التلخيص من حديث أبي هريرة بسند ضعيف وقد تقدم في النكاح .
( 2 ) أخرجه أحمد في المسند من حديث عائشة بسند حسن كما في الجامع الصغير ورواه البزار كما في مجمع الزوائد ج 10 ص 192 .
( 3 ) كذا .