من نار جهنّم ولا رجاؤنا للحور العين وإنّما مطلبنا اللَّقاء ومهربنا من الحجاب فقطَّ وقالوا : من يعبد اللَّه بعوض فهو لئيم ، إذ يعبده لطلب جنّته أو لخوف ناره بل العارف يعبده لذاته فلا يطلب إلا ذاته فقط فأمّا الحور والفواكه فقد لا يشتهيها وأمّا النار فقد لا يتّقيها إذ نار الفراق إذا استولت ربّما غلبت النّار المحرقة للأجسام فإنّ نار الفراق « نار اللَّه الموقدة الَّتي تطَّلع على الأفئدة ونار جهنّم لا شغل لها إلا مع الأجسام وألم الأجسام يستحقر مع ألم الفؤاد ولذلك قيل : ففي فؤاد المحبّ نار جوى * أحرّ نار الجحيم أبردها ولا ينبغي أن تنكر هذا في عالم الآخرة إذ له نظير مشاهد في عالم الدّنيا فقد رئي من غلب عليه الوجد فعدا على النار وعلى أصول القصب الجارحة للقدم ولا يحسّ به لفرط غلبة ما في جوفه ، ويرى الغضبان يستولى عليه الغضب في القتال فتصيبه جراحات وهو لا يشعر بها في الحال لأنّ الغضب نار في القلب ، قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « الغضب قطعة من النّار » ( 1 ) واحتراق الفؤاد أشدّ من احتراق الأجساد والأشدّ يبطل الإحساس بالأضعف كما تراه . فليس الهلاك من النار والسيف إلا من حيث إنّه يفرّق بين جزئين يرتبط أحدهما بالآخر برابطة التأليف المتمكَّن في الأجسام ، فالَّذي يفرّق بين القلب وبين محبوبه المرتبط به برابطة تأليف أشدّ إحكاما من تأليف الأجسام فهو أشدّ إيلاما إن كنت من أرباب البصائر وأرباب القلوب ولا يبعد أن لا يدرك من لا قلب له شدّة هذا الألم ويستحقره بالإضافة إلى ألم الجسم ، فالصبيّ لو خير بين ألم الحرمان عن الكرة والصولجان وبين ألم الحرمان عن رتبة السلطان لم يحسّ بألم الحرمان عن رتبة السّلطان أصلا ولم يعد ذلك ألما ، وقال : العدو في الميدان مع الصّولجان أحبّ إليّ من سرير ألف سلطان مع الجلوس عليه ، بل من تغلبه شهوة البطن لو خير بين الهريسة والحلواء وبين فعل جميل يقهر به الأعداء ويفرح به الأصدقاء لآثر الهريسة والحلواء وهذا كلَّه لفقد المعنى الَّذي بوجوده يصير الجاه محبوبا ووجود المعنى الَّذي بوجوده يصير الطعام
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 46
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٤٦
هامش
( 1 ) تقدم في كتاب الغضب .