تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥

مدّة ولا يقتلهم فهم المعذّبون ويخلَّي بعضهم فهم الناجون ويخلع على بعضهم فهم الفائزون فإن كان الملك عادلا لم يقسّمهم كذلك إلا باستحقاق فلا يقتل إلا جاحدا لاستحقاق الملك ، معاندا له في أصل الدّولة ولا يعذّب إلا من قصّر في خدمته مع الاعتراف بملكه وعلوّ درجته ولا يخلَّي إلا معترفا له برتبة الملك لكنّه لم يقصّر ليعذّب ولم يخدم ليخلع عليه ولا يخلع إلا على من أبلى عمره في الخدمة والنصرة ثمّ ينبغي أن يكون خلع الفائزين متفاوتة الدّرجات بحسب درجات خدمتهم وإهلاك الهالكين إمّا تخفيفا بجزّ الرّقبة أو تنكيلا بالمثلة بحسب درجات معاندتهم وتعذيب المعذّبين في الخفّة والشدّة وطول المدّة وقصرها واتّحاد أنواعها واختلافها بحسب درجات تقصيرهم فتنقسم كلّ رتبة من هذه الرّتب إلى درجات لا تنحصر ولا تحصى فكذلك فافهم أنّ الناس في الآخرة هكذا يتفاوتون فمن هالك ومن معذّب مدّة ومن ناج يحلّ في دار السلام ومن فائز ، والفائزون ينقسمون إلى من يحلَّون في جنّات عدن أو جنّات المأوى أو جنّات الفردوس ، والمعذّبون ينقسمون إلى من يعذّب قليلا وإلى من يعذّب ألف سنة إلى سبعة آلاف سنة وذلك آخر من يخرج من النّار ( 1 ) كما ورد في الخبر ، وكذلك الهالكون الآيسون عن رحمة اللَّه تتفاوت دركاتهم ، وهذه الدّرجات بحسب اختلاف الطاعات والمعاصي فلنذكر كيفيّة توزّعها عليها . أمّا الرّتبة الأولى وهي الهلاك ونعني بالهالكين الآيسين من رحمة اللَّه إذ الَّذي قتله الملك في المثال الَّذي ضربناه أيس من رضا الملك وإكرامه فلا تغفل عن معاني المثال وهذه الدّرجة لا تكون إلا للجاحدين والمعرضين المتجرّدين للدّنيا المكذّبين باللَّه وبرسله وبكتبه فإنّ السعادة الأخرويّة في القرب من اللَّه والنظر إلى وجهه الكريم وذلك لا ينال أصلا إلا بالمعرفة الَّتي يعبّر عنها بالإيمان والتصديق ، والجاحدون هم المنكرون ، والمكذّبون هم الآيسون من رحمة اللَّه أبد الآباد ، وهم الَّذين يكذّبون بربّ العالمين وبأنبيائه المرسلين وهم عن ربّهم يومئذ محجوبون لا محالة وكلّ محجوب عن محبوبه فمحول بينه وبين ما يشتهيه فهو لا محالة يكون محترقا مع نار جهنّم بنار الفراق ولذلك قال العارفون : ليس خوفنا

هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي الحكيم في النوادر .