تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
له التوكَّل . ثمّ قال : وقد انكشف لك من هذا أنّ التوكَّل ليس انقطاعا عن الأسباب بل الاعتماد على الصبر على الجوع مدّة والرّضا بالموت إن تأخّر الرّزق نادرا وملازمة الأمصار والبلاد أو ملازمة البوادي الَّتي لا تخلو من حشيش وما يجري مجراه فهذه كلَّها أسباب البقاء ولكن مع نوع من الأذى لا يمكن الاستمرار عليه إلا بالصبر إلا أنّ الناس عدلوا إلى أسباب أظهر منها فلم يعدّوا ذلك أسبابا لضعف إيمانهم وشدّة حرصهم وقلَّة صبرهم على الأذى في الدّنيا لأجل الآخرة وجبن قلوبهم . أقول : بل التوكَّل ليس إلا الاعتماد على اللَّه تعالى ومباشرة الأسباب جليّة كانت أو خفيّة من دون اعتماد عليها كما عرفت ، ثمّ بعد كلام كثير من هذا القبيل ضرب مثالا لأحوال المتوكَّلين في التعلَّق بالأسباب موافقا لما بني عليه كلامه في التوكَّل ولمّا لم يكن في ذكر أمثال هذه الترّهات والتعرّض لها فائدة طويناها وضربنا عنها صفحا واكتفينا بما حقّقنا سابقا مطابقا لما استفدناه من أئمّة الهدى سلام اللَّه عليهم . * ( الفنّ الثاني في التعرّض لأسباب الادّخار ) * فمن حصل له مال بإرث أو كسب أو سؤال أو سبب من الأسباب فله في ادّخاره ثلاثة أحوال : الأولى أن يأخذ قدر حاجته في الوقت فيأكل إن كان جائعا ويلبس إن كان عاريا ويشتري مسكنا مختصرا إن كان محتاجا إليه ويفرق الباقي في الحال أو لا يأخذه ولا يدّخره إلا القدر الَّذي يدرك به من يستحقّه ويحتاج إليه فيدّخره على هذه النيّة فهذا هو الوفاء بموجب التوكَّل تحقيقا وهي الدّرجة العليا . الحالة الثانية والدّرجة المقابلة لهذه المخرجة له عن حدود التوكَّل أن يدّخر لسنة فما فوقها فهذا ليس من المتوكَّلين أصلا ، فقد قيل لا يدّخر من الحيوانات إلا ثلاثة : الفارة ، والنملة ، وابن آدم . الحالة الثالثة والدّرجة الوسطى أن يدّخر لأربعين يوما فما دونه فهذه هل يوجب حرمانه عن المقام المحمود الموعود في الآخرة للمتوكَّلين ؟ اختلفوا فيه . أقول : ثمّ ذكر أبو حامد اختلاف الناس في مدّة الادّخار المنافي للتوكَّل