حدّ جامع فيبقى لا محالة مبهما .
فإن قلت : الشهادة لا تقبل إلا ممن يجتنب الكبائر والورع عن الصغائر ليس شرطا في قبول الشهادة وهذا من أحكام الدّنيا ، فاعلم أنّا نختصّ ردّ الشهادة بالكبائر فلا خلاف في أن من يسمع الملاهي ويلبس الدّيباج ويتختّم بخاتم الذّهب ويشرب من أواني الذّهب والفضّة لا تقبل شهادته ولم يذهب أحد إلى أنّ هذه الأمور من الكبائر بل كلّ الذّنوب يقدح في العدالة إلا ما لا يخلو الإنسان عنه غالبا بضرورة مجاري العادات كالغيبة والتجسّس وسوء الظنّ والكذب في بعض الأقوال وسماع الغيبة وترك الأمر بالمعروف وأكل الشبهات وسبّ الولد والغلام وضربهما بحكم الغضب زائدا على حدّ المصلحة وإكرام السلاطين الظلمة ومصادقة الفجّار والتكاسل عن تعليم الأهل والولد جميع ما يحتاجون إليه في أمر الدّين ، فهذه ذنوب لا يتصوّر أن ينفكّ الشاهد عن قليلها وكثيرها إلا بأن يعتزل الناس ويتجرّد لأمر الآخرة ويجاهد نفسه مدّة بحيث يبقى على سجيّته مع المخالطة بعد ذلك ولو لم يقبل إلا قول مثله لعزّ وجوده وبطلت الأحكام والشهادات ، وليس لبس الحرير وسماع الملاهي واللَّعب بالنرد ومجالسة أهل الشرب في وقت الشرب والخلوة بالأجنبيّات وأمثال هذه الصغائر من هذا القبيل فإلى مثل هذا المنهاج ينبغي أن ينظر في قبول الشهادة وردّها لا إلى الكبيرة والصغيرة ، ثمّ آحاد هذه الصّغائر الَّتي لا تردّ الشهادة بها لو واظب عليها لأثر في ردّ الشهادة كمن اتّخذ الغيبة وثلب الناس عادة وكذلك مجالسة الفجّار ومصادقتهم والصغيرة تكبر بالمواظبة .
أقول : ومن طريق الخاصّة عن علقمة أنّه قال للصّادق عليه السّلام : « يا بن رسول اللَّه أخبرني عمّن تقبل شهادته ومن لا تقبل ؟ فقال : يا علقمة كلّ من كان على فطرة الإسلام جازت شهادته ، قال : فقلت له : تقبل شهادة مقترف بالذّنوب ؟ فقال : يا علقمة لو لم تقبل شهادة المقترفين للذّنوب لما قبلت إلا شهادة الأنبياء والأوصياء لأنّهم هم المعصومون دون سائر الخلق فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة والستر وشهادته مقبولة وإن كان في نفسه مذنبا
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 41
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٤١