تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠

فإن قلت : فهذا إقامة برهان على استحالة معرفة حدّها فكيف يرد الشرع بما يستحيل معرفة حدّه ، فاعلم أنّ كلّ ما لا يتعلَّق به حكم الدّنيا فيجوز أن يتطرّق إليه الإبهام لأنّ دار التكليف هي دار الدّنيا والكبيرة على الخصوص لا حكم لها في الدّنيا من حيث إنّها كبيرة بل كلّ موجبات الحدود معلومة بأساميها كالسرقة والزّنى وغيرهما وإنّما حكم الكبيرة أنّ الصلوات الخمس لا تكفّرها وهذا أمر يتعلَّق بالآخرة والإبهام أليق به حتّى يكون الناس على وجل وحذر فلا يتجرّؤن على الصغائر اعتمادا على الصلوات الخمس وكذلك اجتناب الكبائر يكفّر الصغائر بموجب قوله تعالى : « إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم » ولكن اجتناب الكبيرة إنّما يكفّر الصغيرة إذا اجتنبها مع القدرة والإرادة كمن يتمكَّن من امرأة ومن مواقعتها فيكفّ نفسه عن الوقاع ويقتصر على نظر ولمس فإنّ مجاهدته نفسه في الكفّ عن الوقاع أشدّ تأثيرا في تنوير قلبه من إقدامه على النظر في إظلامه فهذا معنى تكفيره ، فإن كان عنّينا أو لم يكن امتناعه إلا بالضرورة للعجز أو كان قادرا ولكن امتنع لخوف أمر آخر فهذا لا يصلح للتكفير أصلا وكلّ من لا يشتهي الخمر بطبعه ولو أبيح له لما شربه فاجتنابه لا يكفّر عنه الصغائر الَّتي هي من مقدّماته كسماع الملاهي والأوتار نعم من يشتهي الخمر وسماع الأوتار فيمسك نفسه بالمجاهدة عن الخمر ويطلقها في السماع فمجاهدته النفس بالكفّ ربّما يمحو عن قلبه الظلمة الَّتي ارتفعت إليه من معصية السماع وكلّ هذه أحكام أخرويّة ويجوز أن يبقى بعضها في محلّ الشكّ وتكون من المتشابهات ولا يعرف تفصيلها إلا بالنصّ ولم يرد النصّ بعد ولا حدّ جامع بل ورد بألفاظ مختلفة فقد روي أنّه عليه السّلام قال : « الصلاة إلى الصلاة كفّارة ورمضان إلى رمضان كفّارة إلا من ثلاث : الإشراك باللَّه وترك السنّة ونكث الصفقة قيل : وما ترك السنّة ؟ قال : الخروج من الجماعة ، ونكث الصفقة أن يبايع رجلا ثمّ يخرج عليه بالسيف يقاتله » ( 1 ) فهذا وأمثاله من الألفاظ لا تحيط بالعدد كلَّه ولا تدلّ على

هامش
( 1 ) أخرج الحاكم ج 4 ص 295 نحوه وقال صحيح الاسناد .