جميعا وكما أنّ قطع اليد إذا تأكَّلت إبقاء على الرّوح عدل لأنّه فداء كامل بناقص فكذا الأمر في التفات الَّذي بين الخلق في القسم في الدّنيا والآخرة فكلّ ذلك عدل لا جور فيه وحقّ لا لعب فيه ، وهذا الآن بحر آخر عظيم واسع الأطراف مضطرب الأمواج قريب في السعة من بحر التوحيد فيه غرق طوائف من القاصرين ولم يعلموا أنّ ذلك غامض لا يعقله إلا العالمون ، ووراء هذا البحر سرّ القدر الَّذي تحيّر فيه الأكثرون ومنع عن إفشاء سرّه المكاشفون ، والحاصل أنّ الخير والشرّ مقضيّ به وقد صار ما قضى اللَّه به واجب الحصول بعد سبق المشيّة فلا رادّ لحكمه ولا معقّب لقضائه وأمره ، بل كلّ صغير وكبير مستطر وحصوله بقدر معلوم منتظر وما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ، ولنقتصر على هذه المرامز من علوم المكاشفات الَّتي هي أصول مقام التوكَّل ولنرجع إلى علم المعاملة
* ( الشطر الثاني من الكتاب في أحوال التوكل وأعماله ) *
وفيه بيان حال التوكَّل ، وبيان ما قاله الشيوخ في حدّ التوكَّل وبيان التوكَّل في الكسب للمنفرد والمعيل ، وبيان التوكَّل بترك الادّخار ، وبيان التوكَّل في دفع المضارّ ، وبيان التوكَّل في إزالة الضرر بالتداوي وغيره .
* ( بيان حال التوكل ) *
قد ذكرنا أنّ مقام التوكَّل ينتظم من علم وحال وعمل ، وذكرنا العلم ، فأمّا الحال فالتوكَّل بالتحقيق عبارة عنه وإنّما العلم أصله والعمل ثمرته وقد أكثر الخائضون في بيان حدّ التوكَّل واختلفت عباراتهم وتكلَّم كلّ واحد عن مقام نفسه وأخبر عن حدّه كما جرت عادة أهل التصوّف به ولا فائدة في النقل والإكثار ولنكشف الغطاء عنه ، فنقول التوكَّل مشتقّ من الوكالة يقال : وكل أمره إلى فلان أي فوّضه إليه واعتمد عليه فيه ويسمّى الموكول إليه وكيلا ويسمّى المفوّض إليه متّكلا عليه ومتوكَّلا عليه مهما اطمأنّت نفسه إليه ووثق به ولم يتّهمه فيه بتقصير ولم يعتقد فيه عجزا وقصورا ، فالتوكَّل عبارة عن اعتماد القلب على الوكيل وحده ولنضرب
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 405
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٤٠٥