ولكنّ أكثرهم لا يعلمون » ( 1 ) فكلّ ما بين السماء والأرض حادث على ترتيب واجب وحقّ لازم ولا يتصوّر أن يكون إلا كما حدث على الترتيب الَّذي وجد فما تأخّر متأخّر إلا بانتظار شرطه والمشروط قبل الشرط محال والمحال لا يوصف بكونه مقدورا ، فلا يتأخّر العلم عن النطفة إلا لفقد شرط الحياة ، ولا تتأخّر عنها الإرادة بعد الحياة [ 1 ] إلا لفقد شرطها وهو العلم ، وكلّ ذلك على منهاج الواجب وترتيب الحقّ ليس في شيء من ذلك لعب واتّفاق بل كلّ ذلك بحكمة وتقدير ، وهذا قرع باب آخر لعالم آخر من عوالم المكاشفات فلنترك جميع ذلك فإنّ مقصودنا التنبيه على طريق التوحيد في الفعل فإنّ الفاعل بالحقيقة واحد فهو المخوف والمرجّو عليه التوكَّل والاعتماد ، ولم نقدر على أن نذكر من بحار التوحيد إلا قطرة من بحر المقام الثالث من مقامات التوحيد واستيفاء ذلك في عمر نوح محال كاستنقاء ماء البحر بأخذ القطرات عنه وكلّ ذلك ينطوي تحت قولك لا إله إلا اللَّه ، وما أخفّ مئونته على اللَّسان ، وما أسهل اعتقاد مفهوم لفظه على القلب ، وما أعزّ حقيقته ولبّه عند العلماء الرّاسخين فكيف عند غيرهم . فإن قلت : كيف الجمع بين التّوحيد والشرع ومعنى التوحيد أن لا فاعل إلا اللَّه ومعنى الشرع إثبات الأفعال للعباد فإن كان العبد فاعلا فكيف يكون اللَّه فاعلا وإن كان اللَّه فاعلا فكيف يكون العبد فاعلا ومفعول بين فاعلين غير مفهوم ؟ فأقول : نعم ذلك غير مفهوم إذا كان للفاعل معنى واحد وإن كان له معنيان ويكون الاسم مجملا مردّدا بينهما لم يتناقض كما يقال : قتل الأمير فلانا ويقال : قتله الجلاد ولكنّ الأمير قاتل بمعنى والجلاد بمعنى آخر فكذلك العبد فاعل بمعنى واللَّه تعالى فاعل بمعنى آخر فمعنى كون اللَّه فاعلا أنّه المخترع الموجد ومعنى كون العبد فاعلا أنّه المحلّ الَّذي خلق فيه القدرة بعد أن خلق فيه الإرادة بعد أن خلق اللَّه فيه العلم فارتبطت القدرة والإرادة والحركة بالقدرة ارتباط الشرط وارتبط بقدرة اللَّه ارتباط
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 400
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٤٠٠
هامش
( 1 ) الدخان : 38 و 39 .
[ 1 ] في الاحياء « بعد العلم » .