جوابه ، وقال : قد طال تعبي في هذا الطريق وكثرت منازلي ولا يزال يحيلني من طمعت في معرفة هذا الأمر منه على غيره ، ولكنّي كنت أطيب نفسا بكثرة الترداد لما كنت أسمع كلاما مقبولا في الفؤاد وعذرا ظاهرا في دفع السؤال ، فأمّا قولك فإنّي خطَّ ونقش وإنّما خطَّني قلم فلست أفهمه فإنّي لا أعلم قلما إلا من القصب ولا لوحا إلا من الحديد أو الخشب ولا خطَّا إلا بالحبر ولا سراجا إلا من النار ، وإنّي أسمع في هذا المنزل حديث اللَّوح والسراج والخطَّ والقلم ولا أشاهد من ذلك شيئا أسمع جعجعة ولا أرى طحنا ، فقال له العلم : صدقت فيما قلت فبضاعتك مزجاة وزادك قليل ومركبك ضعيف والمهالك في الطريق الَّذي توجّهت إليه كثيرة فالصواب لك أن تنصرف وتدع ما أنت فيه فما هذا بعشّك [ 1 ] فأدرج عنه فكلّ ميسّر لما خلق له . وإن كنت راغبا في استتمام الطريق إلى المقصود فألق سمعك وأنت شهيد :
واعلم أنّ العوالم في طريقك هذا ثلاثة عالم الملك والشهادة أوّلها ولقد كان الكاغذ والحبر والقلم واليد من هذا العالم وقد جاوزت تلك المنازل على سهولة ، والثاني عالم الملكوت وهو ورائي فإذا جاوزتني انتهيت إلى منازله وفيها المهامه [ 2 ] الفسيحة والجبال الشاهقة والبحار المغرقة ولا أدري كيف تسلم فيها ، والثالث عالم الجبروت وهو بين عالم الملك وعالم الملكوت ولقد قطعت منها ثلاثة منازل إذ في أوائلها منزل القدرة والإرادة والعلم وهو واسطة بين عالم الملك والملكوت لأنّ عالم الملك أسهل منه طريقا وعالم الملكوت أوعر منه منهجا وإنّما عالم الجبروت بين عالم الملك وعالم الملكوت يشبه السفينة الَّتي بين الأرض والماء فلا هي في حدّ اضطراب الماء ولا هو في حدّ سكون الأرض وثباته وكلّ من يمشي على الأرض يمشي في عالم الملك والشهادة فان جاوزت قوّته إلى أن يقوى على ركوب السفينة كان كمن يمشي في عالم الجبروت فإن انتهى إلى أن يمشي على الماء من غير سفينة كان كمن يمشي في عالم الملكوت من غير تكعكع [ 3 ] فإن كنت
هامش
[ 1 ] العش - بضم العين وتشديد الشين المعجمة - موضع الطائر .
[ 2 ] المهمة : المفازة البعيدة .
[ 3 ] تكعكع : احتبس عن وجهه أو جبن .